عزالدين القوطالي
13-02-2008, 12:44 PM
دور الإيديولوجية العربية الثورية
في إغناء حركة الإبداع العربي
الدكتور إلياس فرح
كان لا بد للنظرة التاريخية البعيدة عن مزالق النزعات التجريدية والإطلاقية الفلسفية وعن النزعات الوضعية والإختبارية الغارقة في الجزئية ؛ لا بد للنظرة العلمية الجدلية أن تنتهي الى تحديد شامل وعميق لطبيعة المرحلة العربية والعالم الراهن وأن تكشف على ضوء التحليل لمعطيات التطور الخاص والعام أن الأمة العربية تمر بمرحلة نهضة ومرحلة ثورة أي بمرحلة إبداع . وكذلك أيضا على الصعيد العالمي فإن عصرنا الذي هو بدوره عصر الثورات العلمية والتقنية والتكنولوجية والتربوية والسكانية والإعلامية عصر الجماهير واشتراكية عصر القوميات المتحررة من الإستعمار ومن الطبقات الرجعية المستغلة عصر الحرية عصر الشعوب والإنسان عصر الحضارة الجديدة فهو إذن عصر الإبداع . إن إدراك هذه الحقائق قبل أكثر من ثلث قرن أي منذ أن كانت إرهاصات ومن قبل أن يولد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وقبل أن تكشف المرحلة العربية عن ملامحها هو دون شك حالة من حالات الإبداع لأن مثل هذا الإستباق والإستشراف للمرحلة إنما يعبر عن ولادة مبكرة لمنهج جديد في الفكر ولنظرة أصيلة للذات والى العالم ولأسلوب جديد وطريقة جديدة في التعامل مع الماضي والحاضر والمستقبل ومع الأمة والوطن والعالم . لذلك كان البعث حالة من حالات الإبداع في الأمة فهو وإن كان تتويجا لمرحلة طويلة من الإنضاج الفكري والنضالي للأمة العربية إلا أنه إسهام مبدع في عملية الإنضاج هذه وتعبير مبكر عن هويتها وطبيعتها وآفاقها وأهدافها . قبل البعث كانت النظرة الى الأمة من خلال النظرة الى المستعمر ومجتمعه وحضارته (الغرب) فكانت (النظرة الدينية التقليدية) ردا على الطابع الديني الذي تسربلت به الموجات الإستعمارية منذ الحروب الصليبية وكانت (النظرة القومية التقليدية ) إقتباسا عن المفاهيم القومية والحركات القومية كما ظهرت في الغرب . كذلك ( الفكر الإشتراكي الأممي) والفكر (الديمقراطي والليبيرالي والإصلاحي) كلها كانت نسخا عن الغرب . وكانت بالإضافة الى النظرة (الخارجية) الى الأمة تنظر إليها من خلال الواقع المزيف المشوه الذي صنعه الإنحطاط والإستعمار (واقع التخلف والجزئة) فلم تعط للمفهوم الحضاري ولا للجانب الوحدوي الأهمية البارزة التي تميزهما كما أنها بقيت عاجزة عن النظرة الشاملة المحيطة بجميع تناقضات الواقع العربي والنظرة العميقة النافذة الى حركة الواقع العربي وبالتالي غير مؤهلة لإكتشاف قوانين هذه الحركة . فالتقليد والتبعية والببغاوية والشكلية كانت هي السمات الغالبة في الفكر العربي وما كن يظهر بين الحين والآخر من ومضات الإبداع لم يكن قد أخذ بعد طابعه الثوري الشمولي العميق . مع البعث بدأت تتبلور صيغة فكرية شاملة وظهر منهج فكري جديد ودخلت الأمة بمرحلة جديدة ؛ فالإبداع في البعث هو أولا في هذا التحول الحاسم والتاريخي من النظرة الخارجية للأمة أي من خلال الإنتقال من وعي الآخر ( المستعمر) الى النظرة من الداخل أي من خلال وعي الأمة لذاتها ولتناقضات واقعها . هكذا ولدت النظرة الأصيلة الشفافة التي تعكس الوحدة بين فكر الأمة وذاتها بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها بينها وبين العالم المعاصر . وفي فكر البعث عبرت النهضة العربية عن نفسها في صيغة جديدة تجاوزت ردود الفعل على الحالات الطارئة في الأمة الى مستوى التعبير عما تنطوي عليه المرحلة الجديدة من سمات إيجابية : " إذا نظرنا الى يقضة العرب الحديثة نجد أن الدور الأول الذي مرت به هذه اليقضة تنطبق عليه صفات التأثر السلبي المنفعل فكل مظاهر اليقضة سواء في السياسة أو الإجتماع أو في الفكر إنما هي رد فعل لما سبقها من حالة الجمود والإنحطاط فكأنها تقلد تقليدا حرفيا الحالة التي قامت لتنفيها وتتمرد عليها .. إن الحركة الأصيلة لا يمكن أن تأتي جوابا على حالة طارئة في الأمة والذين تتبعوا حركة البعث العربي في الناحية الفكرية على الأقل يستطيعون أن يلاحظوا منذ بدء الحركة إهتمامنا البالغ بأن نجعل من حركة البعث الخطوة الإيجابية التي يجب أن تأتي بعد الخطوة السلبية... " -1- ومع البعث تحققت الصلة المبدعة بالتراث : " لم نلجأ الى التراث كما يفعل التقليديون من أجل التكرار والتقليد غير المثمر وغير المنتج أي أننا لم نطلب من التراث أن يكون بديلا عن الجهد الذي يطلب منا أن نقدمه وإنما نحن عشنا الثورة المعاصرة بكل متطلباتها ومن خلالها وجدنا أن تراثنا يعطينا أصالة لا يمكن لأية ثورة أو أية نظرية فلسفية معاصرة أن تهبنا إياه ... " -2- . فالعودة الى الماضي تكون في نفس الوقت الذي نتجه فيه الى المستقبل فتكون اقدامنا ثابتة على أرض الواقع وصاعدة مع حركة التطور الأصيل والماضي الذي نحنّ إليه هو ثورة الأمة عبر تاريخها والإتصال بهذا الماضي لا يكون مشروعا ومبدعا إلا من مواقع ثورية : " كان إنتسابنا لأجدادنا الأبطال إنتسابا رسميا لا أكثر وإتصال تاريخنا الحديث بتاريخنا المجيد إتصالا طفليا لا عضويا . اليوم يجب أن نقوم بالأعمال التي تبرر نسبنا الرسمي وتجعله حقيقيا مشروعا ." -3- . وأصبح الإبداع في النضال هو أساس الصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل لأن البعث إنطلق من مفهوم ثوري جديد للتاريخ : " إن النضال بمعناه الواسع العميق هو السبيل الى بعث الروح العربية وتحقيق الإنقلاب العربي ..." -4- لماذا ؟ لأن الماضي كان (إبداعا) برر فيه العرب وجودهم كأمة حضاريــة : " ولا ننس أن حضارة العرب في القديم لم تكن ممكنة وما كانت لتتحقق لولا تلك الفترة النضالية التي لم تتجاوز عشرات السنين ولكنها كانت هي الخميرة الروحية التي سمحت للعرب فيما بعد أن يحتفظوا بقوة الإبداع وبقوة الخلق ... " -5- . واليوم عندما نتساءل : هل هناك أمة عربية متحققة ؟ يأتي جواب البعث : " إنها متحققة في كل مكان يوجد فيه نضال وبشكل خاص إذا كان جديا يواجه الموت في كل ساعة في حالة مجابهة الموت ترتفع الغشاوات وكل أثقال الجمود التي تراكمت خلال القرون كل هذه الأثقال التي جعلت منها أمة ضعيفة وأفقدتها إمكانية الحضارة أمتنا إذن موجودة في كل مكان يحمل فيه أفرادها السلاح ..." -6- لذلك كان النضال هذا الينبوع الثر للإبداع المصدر الأساسي لفكر البعث : " إن النضال هو الذي أوجد فكر الحزب .." -7- . ولذلك كان فكر البعث سلسلة من الإكتشافات والإنضاجات المبدعة لمنطلقات الفكر العربي الثوري في المرحلة التاريخية الراهنة . على الصعيد القومي كان إكتشاف أهمية الظاهرة القومية في عصرنا في الوقت الذي كانت فيه النزعات الأممية المجردة تدعي أن القومية مرحلة إنتهت وأصبحت من الماضي ولم تعد محركا للتطور في المجتمعات الحديثة . وكان فيه الكلام عن القومية العربية والوحدة العربية يصطدم بالنزعات الإقليمية ومصالح التجزئة وعقليتها . كما كان إكتشاف السياق التاريخي الجديد لقومية الأمم المقهورة المستعمر المستغلة المجزءة المتخلفة وقومية الشعوب المناضلة ضد الإستعمار والتجزئة والإستغلال الطبقي وكشف الطابع التحرري التقدمي والطابع الإنساني الحضاري لها . ثم كان إكتشاف وحدة التناقضات الأساسية القائمة في المجتمع العربي ووحدة العلاقة بين النضال القومي والنضال التحرري والنضال الإشتراكي في الوطن العربي . وكذلك إكتشاف المرحلة التي تمر بها الأمة العربية وأنها مرحلة ثورية تواجه تحديات تاريخية تتطلب مواجهتها نظرة شمولية الى واقع الأمة ونظرة عميقة الى تناقضاتها وجيلا ثوريا جديدا تتحقق فيه الصفات المميزة لفكرته . ثم إكتشاف ثورية الوحدة العربية والمفهوم العلمي للوحدة والأبعاد الطبقية والأممية للنضال القومي الإشتراكي التحرري والطابع الديناميكي للنضال الوحدوي ووحدة القضية القومية والعلاقة بين وحدة النضال ونضال الوحدة بين القومية والإشتراكية بين القومية والدين بين القومية والإنسانية بين القومية والنظرية القومية بين الوحدة العربية والقومية العربية وعلاقة التجربة العربية بتكوين العالم الجديد وإستراتيجية العمل الوحدوي وعلاقة الوحدة بالتحرير كل هذه السلسلة المتلاحقة من الإكتشافات الفكرية كانت ثمرة لوحدة الفكر والممارسة ونتيجة للمعاناة العميقة للفكر المناضل الذي إنطلق من نظرة قومية مستمدة من تحليل علمي جدلي تاريخي وهو أساس إنطلاقته المبدعة لأنه تعبير عن تطور نوعي في طريقة فهم الظواهر وإنتهى الى تحديد لهوية الأمة عبر إكتشافها لذاتها وسياقها التاريخي فكان فكر البعث تعبيرا عن نضج في وعي الأمة العربية لذاتها وللعالم . إن إنطلاق فكر البعث من منهج فكري جديد كان إذن التعبير الأول عن الطاقة المبدعة فيه فالمنهج الفلسفي سواء في إطاره المادي أو المثالي لم يكن بحكم الصيغ النظرية المطلقة التي بقي أسيرا لها بقادر على النفاذ الى العلاقة الثانية التي تحكم التناقضات القائمة في الواقع العربي . وبالتالي إكتشاف قوانين المرحلة الراهنة لذلك فإن حرص البعث على أن يكون فكره نابعا من المعاناة النظرية والعلمية الهادفة الى إكتشاف حركة الواقع العربي والعلاقة بين أبعاده الزمانية والمكانية ومحققا لأهداف الأمة يشق طريق تحررها وإنبعاثها كل ذلك قد جعله يقف موقفا نقديا من مناهج الفكر الصورية الشكلية ومن المناهج الجدلية الفلسفية وأن يشق لنفسه طريقا جديدة على صعيد ( منهج الفكر) . فكان المنهج ( العلمي) المتحرر من الصيغ الفلسفية الإطلاقية و (الجدلي) الذي ينفذ الى المحركات الأساسية للتطور في المجتمع العربي . والذي يقترن بموقف ثوري يربط المعرفة بالواقع من أجل تغييره ضمن أهداف المرحلة التاريخية وحاجات الأمة العربية في نضالها من أجل تحقيق إنبعاثها . إن هذا المنهج العلمي الجدلي التاريخي قد كان من أهم التجليات المبدعة لفكر البعث وقد زود الفكر العربي الثوري بقدرة هائلة على فهم معطيات العالم المعاصر ومشكلات الأمم الكادحة ورفعه الى مستوى عالمي وجعله منذ بداية الأربعينات مواكبا لحركة التطور المتسارع في العالم لأن المنهج العربي الجديد قد أنقذ الفكر العربي الثوري من القوالب والقواقع واللآهوت الفكري الذي إنتهت إليه الإيديولوجيات والتحليلات النظرية الميكانيكية الجامدة من مراحل التطور السابقة للنصف الثاني من القرن العشرين . لقد إسترد الفكر العربي الثوري حريته في البحث والمعاناة بواسطة المنهج العلمي الجدلي التاريخي الجديد الذي إلتزمه لذلك كان إلتحامه بالواقع أقوى من إلتحامه بالصيغ النظرية وبحركة الواقع أكثر من المظاهر السكونية الجزئية السطحية المعبرة عنه . وبفضل هذا المنهج أصبح الفكر العربي الثــــــــوري ( شفافا) يرى حركة الواقع بشكل مباشر وعميق و( نفاذا ) يصعد الى الأصول والعوامل الأساسية لهذه الحركة وللتناقضات القائمة في المجتمع العربي و(متفاعلا) مع المعارك النضالية على إمتداد الوطن العربي يغتني بها ويعزز نظيته الشمولية وإنفتاحه الدائم على التجربة و( حيّا) بعيدا عن التبلور الكاذب والإدعاء والصنمية : " كل حركة وهذه طبيعة الحركات الإجتماعية وطبيعة المجتمعات معرضة لأن تفقد من عفويتها من حريتها من أصالتها وأن تطفي أصالتها الشعارات التقليدية وأن تطغى عليها الألفاظ أن تصبح صنما . فليس الأشخاص هم الذين يصبحون أصناما فحسب فقد تصبح الحركة صنما وقد تصبح أفكارها أصناما وهذا شر ما يمكن أن تبتلي به حركة تريد أن تخلق وتبدع ..." -8- . وعلى صعيد الفكر الإشتراكي كان جتنب الإبداع في فكر البعث واضحا في تعميق (مفهوم الضياع) وتعميق (التحليل الطبقي) وإكتشاف ( الأبعاد القومية والعالمية للصراع الطبقي) داخل الواقع القطري العربي الذي رسمت حدوده الظاهرة الإستعمارية وعززته المصالح الطبقية للتجزئة وكذلك ربط الإشتراكية بإطارها الوحدوي وإعتبار الحرية والإشتراكية هدفين حقيقيين ومتلازمين . ورفض فكرة النموذج الواحد للإشتراكية وربط فكرة الإشتراكية العلمية بالتحليل السوسيولوجي العلمي للواقع الإجتماعي بين مختلف العوامل التي تؤدي الى الصراع الطبقي وتحديد دور الطبقة العاملة على ضوء عوامل الصراع وشروط النضال المتكاملة المتداخلة في الوطن العربي ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية وضد التجزئة والتخلف ؛ والتركيز على الخصوصية (لا على الخصائص) في الوضع الإجتماعي العربي وظروفه المعقدة . حتى يأخذ التحليل الإشتراكي طابعا تجريديا يكتفي بالقوانين العامة أو بنقل صيغ التحليل الجاهزة المطبقة في مجتمعات تختلف في بنيتها ومراحل تطورها عن المجتمع العربي الراهن . (فالواقعية العلمية) تعني الإنطلاق من الواقع المباشر الملموس ومن المرحلة التاريخية التي تحدد تطور المجتمع . و(الإشتراكية العلمية) تعني تطبيق التحليل العلمي الجدلي التاريخي تطبيقا شاملا ودقيقا على البنيان الإجتماعي وحركة تطوره . والأخذ بمنطلقات الفكر الثوري العالمي لا يعني تحويل هذه المنطلقات الى آيات منزلة . وعلى هذا أساس هذه المنطلقات العلمية الثورية قامت نظرة البعث الإشتراكية فكان رفض النزعة الإصلاحية الإقتصادية والنزعة الأممية المجردة والإستسلامية العلمية . وكان الكشف عن طوباوية النزعة القطرية الإشتراكية وعن لا ثوريتها . كا كان الإهتمام بالسمات المميزة للمجتمع المتخلف وكذلك بالتطور الذي إنتهت إليه المرحلة الراهنة في أزمة الإمبريالية وفي بنيتها وعلاقاتها بالمجتمعات المتخلفة وبتجارب العالم الثالث الجديدة . وكشف المحتوى الحضاري للفكر الإشتراكي في السياق الراهن لهذه التجارب وخاصة في الوطن العربي حيث الصراع المصيري مع الإمبريالية ونظامها الرأسمالي والصهيونية وكيانها العنصري ومع الرجعية الحليفة لها . كما كان الكشف عن عجز البورجوازية العربية والتشويه الذي لحق بها منذ نشوئها كظاهرة تابعة لبنية المجتمع الرأسمالي وأنظمته الإستعمارية وعن الدور الحقيقي لليورجوازية الصغيرة وعن دور النفط في تعميق الصراع الطبقي وعن العلاقة بين الإشتراكية والوحدة العربية وعن المفهوم الطبقي للقومية الكادحة المناضلة وعن الضيغ الراهنة للصراع الطبقي في الوطن العربي . وبفضل إستخدام المنهج الجدلي العلمي التاريخي إستطاع فكر البعث أن يحقق على صعيد (مفهوم الحرية) تقدما وسبقا على (المفاهيم الجزئية) التي كانت مطروحة والتي كانت تحده ضمن إطار مفهوم التحرر السياسي من الإستعمار أو التحرر الإقتصادي وكذلك ( المفاهيم الفلسفية) للحرية التي كانت تلتزم المنطق الصوري في تحليل العلاقة بين الحرية والإنسان أو تنحو في تطبيقها للمنطق الجدلي نحوا ميكانيكيا تجريديا فتعطي للحقائق النسبية صيغة المطلق وتقيم في وجه مطلق الإنسان (المثالي) مطلق المجتمع والعلاقات الإجتماعية المادية . فكان فكر البعث مبدعا سواء من حيث أحاطته الشاملة بأبعاد مشكلة الحرية في المجتمع العربي أو من حيث إكتشافه للروابط الجدلية بين التناقضات الموضوعية والذاتية التي تشكل المضمون الحي لهذه المشكلة . فقد ربط البعث بين مفهوم الحرية ومفهوم الإنبعاث القومي ربطا جدليا جعل أبعاد مشكلة الحرية منطبقة على أبعاد النضال العربي ضد عوامل الإستلاب والإنحطاط : فهي (التحرر السياسي) من الإستعمار على مستوى الوطن العربي أي تحرر يتجاوز الإطار القطري ويلتحم بحاجات الأمة فيتحد بمفهوم (التحرر من التجزئة) وهي (التحرر الإقتصادي ) الذي يشكل ضمانة التحرر السياسي . كما هي (التحرر الإجتماعي ) الذي يضع حدا للإستغلال الطبقي للتناقض بين الصفة الجماعية للإنتاج والصفة الفردية للتملك . وهي (التحرر السيكولوجي) من عوامل (الإحباط والتمزق والتناقض) داخل الشخصية العربية . وهي فوق ذلك كله تعني ( التحرر من التخلف) فهي ثورة داخلية وخارجية تهدف الى خلق الإنسان والمجتمع العربيين الحضاريين . ثورة يلتحم فيها مفهوم الحرية بالإشتراكية وبالوحدة . فالحرية حسب مفهوم البعث لا تتوقف عند حدود تحرير الإنسان العربي من آثار المرحلة الإستعمارية التجزيئية التخلفية الإستغلالية وتحريره من الخوف ومن التبعية ومن اللاشخصية وغيرها من العوامل الموضوعية والذاتية السلبية . بل إن مفهوم الحرية يتضمن أيضا الربط بين مفهوم (التحرر الذاتي والموضوعي) للفرد والأمة وبين مفهوم بعث الشخصية الفردية والإجتماعية أي أن هناك بعدا (حضاريا) لمفهوم الحرية . فثورة الحرية تهدف الى خلق الإنسان المناضل المبدع والى خلق المجتمع ذي الرسالة الإنسانية لذلك كان مفهوم البطولة الذي ينظر الى الإنسان كطاقة مبدعة والى الجماهير كطاقة ثورية تاريخية وهو التعبير عن جوهر مفهوم الحرية في البعث : " الآن تنطوي صفحة من تاريخ نهضتنا العربية وصفحة جديدة تبدأ .... عهد البطولة ... في هذا العهد الجديد الذي بدأت تباشير صبحه تختلج في الأفق نريد أن تكون النهضة والإستيقاظ في كل عواطفنا الشريفة ومواهبنا العالية لا أن تنحصر اليقضة في عاطفة واحدة ضيقة لم يعد يرضينا أن نسمع أن ذلك الشخص زطني إن لم يكن في الوقت نفسه إنسانيا فالعاطفة الوطنية إذا لم تكن مصحوبة بهذه الصفات قد لا تكون غير مجرد كره للأجنبي وهذه ليست غايتنا لسنا نطلب الإستقلال لننعزل عن بقية الشعوب ونقيم سدا بيننا وبين الحضارة الإنسانية لسنا نصبو الى الحرية لنعيش في الفوضى إننا نطلب الإستقلال والحرية لأنها حق وعدل قبل كل شيء ولأنها وسيلة لإطلاق مواهبنا العالية وقوانا المبدعة كي نحقق على هذه البقعة من الأرض التي هي بلادنا غايتنا وغاية كل إنسان الإنسانية الكاملة ..." -9- . وعلى الأساس هذا المفهوم الجدلي العلمي التاريخي للحرية الذي هو أحد التجليات المبدعة لفكر البعث يتضح معنى لتأكيد على أن (الحرية ليست شيئا كماليا في حياة الأمة بل هي جوهر هذه الحياة وأساسها) وأن الحرية هي (الوحدة وهي الإشتراكية) ضمن إطار المعنى الحضاري الإنساني الإنبعاثي لهما . فتأكيد المعنى الجدلي المتكامل للحرية المتمثل بهدف (إعادة بناء الشخصية العربية وتحويلها الى طاقة حرة مبدعة ) والتركيز على أن ( الحرية معركة داخلية وخارجية حاسمة وثورية وجذرية) وأن الحرية تنطلق من النضال من أجل ( إستعادة القدرة على متابعة طريق الثورة في الحياة العربية) وكذلك النظرة الجدلية الى علاقة الفرد بالمجتمع والعوامل الذاتية بالعوامل الموضوعية . المتجاوزة للمنظارين الليبيرالي والمجموعي والتأكيد على الساسين (الإجتماعي والخلقي) للدولة في مفهوم البعث . والنظر الى الحرية كعملية (تجدد دائم) عبر نضال مستمر وجوهري يطلق الطاقات الفردية والجماعية ويحقق الوحدة الداخلية للشخصية . كل ذلك يعني أن الحرية في البعث هي تعبير عن (وعي الأمة لذاتها ولضرورات المرحلة التاريخية وإختبار حر لوسائل تحررها ) . فهي (وعي للضرورة) كما أنها (وعي للذات) وهي (إختيار حر لطريق التحرر) وهي (تحقيق للذات) و(مساهمة في تحرير الإنسانية) والإشتراكية هي المعيار الموضوعي لتحقق الحرية وضمان التحرر والإستقلال والنهوض من التخلف . والوحدة هي ضمانة الحرية لأن حرية القطر الواحد لا تشكل ثقلا نوعيا إلا إذا كانت جزءا من عملية النضال من أجل تحرير الوطن العربي ( فالحرية لا تتحقق للعرب إلا في ظل الوحدة) .والحرية هي معركة إنسانية شاملة تشكل المعركة القومية جزءا لا يتجزأ منها ومنطلقا حيا واقعيا لها . إن إكتشاف هذه الحلقات والأبعاد وروابطها الجدلية هو المظهر الأساس للجانب الإبداعي في فكر البعث . ولقد كان البعث سباقا في التأكيد على النتائج الثورية الهائلة للربط بين الإشتراكية والوحدة العربية أي بين النضال القومي والصراع الطبقي كما كان سباقا أيضا في التأكيد على الأهمية الإنسانية والحضارية للربط بين الإشتراكية والحرية فالحرية قوة دافعة وهدف أساس جنبا الى جنب مع الإشتراكية تتفاعل وتتكامل مع هدف الإشتراكية . ثم إن أهم مميزات فكر البعث أنه كان دوما (فكرا حرا متفتحا وواقعيا) لذلك كان مبدعا إستطاع أن يعبر عن ( الحاجات الثورية الجديدة بما يحفظ للأمة العربية شخصيتها وتوازنها ومستقبلها الحضاري إذ لا حضارة مع التقليد والتبعية ) فقد أدرك فكر الحزب أن هناك " فراغا متروكا للعبقرية العربية التي تكتشف من خلال التجربة العربية ومن خلال النضال المفاهيم العلمية الحية الجديدة للقومية وللإشتراكية وللعلاقة بينهما وبين الحرية " -10- . لقد كان إستيعاب فكر البعث إستيعابا مبدعا للظاهرة الإستعمارية وتطورها وللإستعمار الجديد والإمبريالية والصهيونية ولظواهر التخلف والتجزئة ودورها في تحديد التناقضات الأساسية للواقع العربي في المرحلة التاريخية الراهنة . لقد كان ذلك دليلا على إمتلاك البعث لمنهج فكر جديد يتجاوز في صحته وفي فعاليته المناهج القديمة التي تجاوزها تطور الفكر الثوري في العالم المعاصر . كما أن تحديد تناقضات المجتمع العربي والوصول الى تحديد الأهداف الكبرى على ضوئها أي إمتلاك الصيغة الفكرية الشاملة قد كان أهم تعبير عن هذا الإبداع . ومن هذه الزاوية نستطيع أن نبين لماذا كانت هذه النظرة الداخلية الى القضية العربية النظرة الأصيلة الصافية التي إكتشفت حقيقة الأمة في هذه المرحلة التاريخية وأهدافها وحاجات نضالها . نعم لماذا كانت تلك النظرة أشبه بفتح جديد في حياة العرب المعاصرة ونضالهم القومي التقدمي التحرري ولماذا كان ظهور البعث : " ثورة في تاريخ الأمة العربية بمعنى أن حركة البعث لم تكت إستمرارا آليا لما قبلها بل كانت عبارة عن إنقطاع أو بتر إرادي واع وإرتفاعا الى مستوى جديد من التفكير والجو الروحي رغم ما إنتابها من ضعف ونقص ودخلها من شوائب ..." -11- . فالإبداع هو في أساس ولادة البعث فكرة وتنظيما ونضالا ؛ هو في الموقف الفكري الجديد من قضايا الأمة الفكر المعجون بالنضال الذي إستطاع أن يضيء الوضع العربي وأن يكشف كل ممكناته . وهو في المنهج الجديد الذي إلتزمه البعث المنهج الجدلي العلمي التاريخي الذي تجاوز المناهج السابقة للفكر الثوري التقليدي . وهو في هذه النظرة الحرة المستقلة التي رفضت التبعية الفكرية والتي إنطلقت من الثقة بالنفس وبالأمة ومن المعاناة الداخلية ومن الإنفتاح على التيارات الفكرية المعاصرة ومن التمسك بكنوز التراث العربي وبأصالة النظرة التاريخية ومن إمتلاك الجرأة على ممارسة النقد الذاتي والنقد المنبعثين من الإخلاص للحقيقة . وهو في هذا الربط بين مفاهيم الوحدة والحرية والإشتراكية وبين المفهوم الإنساني الحضاري الثوري التقدمي للإنبعاث القومي . فالوطن العربي يمر بحالة تحول حضاري من الإنحطاط الى النهضة ليعيش من خلال ثورته الشاملة حالة من حالات الإبداع الإنساني الكامل المبدع للأمة وللإنسان العربي الجديد. وأخيرا هو في هذه العودة المبدعة الى التراث وفي هذه الصلة بالتراث الثوري العالمي وبتيارات العصر الفكرية أي في هذه القابلية الدائمة للتطور والتجدد ضمن إطار الإخلاص لقضية الأمة ومصيرها ومصير الإنسانية وقيمها النضالية التقدمية . وبكلمة واحدة هو في وضع الأمة على طريق التحقيق الكامل للذات وتحقيق الإنسانية الكاملة .
الهوامش :
-1- معركة المصير الواحد : ميشيل عفلق ص 9- 11 .
-2- محاضرة الأستاذ ميشيل عفلق بتاريخ 19/01/1976.
-3- محاضرة ذكرى الرسول العربي : ميشيل عفلق في سبيل البعث ص 123.
-4- ميشيل عفلق : في سبيل البعث ( البعث العربي هو الإنقلاب) ص 64.
-5- نفس المصدر ص 60.
-6- ميشيل عفلق : نقطة البداية ص 213.
-7- في سبيل البعث ص 260.
-8- في سبيل البعث ص 40.
-9- في سبيل البعث ص 6.
-10- ميشيل عفلق : النضال ضد تشويه حركة الثورة العربية . بيروت 1975 ص 50.
-11- في سبيل البعث ص 279.
الدكتور إلياس فرح
بحث منشور بمجلة آفاق عربية العدد 8 نيسان 1976
في إغناء حركة الإبداع العربي
الدكتور إلياس فرح
كان لا بد للنظرة التاريخية البعيدة عن مزالق النزعات التجريدية والإطلاقية الفلسفية وعن النزعات الوضعية والإختبارية الغارقة في الجزئية ؛ لا بد للنظرة العلمية الجدلية أن تنتهي الى تحديد شامل وعميق لطبيعة المرحلة العربية والعالم الراهن وأن تكشف على ضوء التحليل لمعطيات التطور الخاص والعام أن الأمة العربية تمر بمرحلة نهضة ومرحلة ثورة أي بمرحلة إبداع . وكذلك أيضا على الصعيد العالمي فإن عصرنا الذي هو بدوره عصر الثورات العلمية والتقنية والتكنولوجية والتربوية والسكانية والإعلامية عصر الجماهير واشتراكية عصر القوميات المتحررة من الإستعمار ومن الطبقات الرجعية المستغلة عصر الحرية عصر الشعوب والإنسان عصر الحضارة الجديدة فهو إذن عصر الإبداع . إن إدراك هذه الحقائق قبل أكثر من ثلث قرن أي منذ أن كانت إرهاصات ومن قبل أن يولد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وقبل أن تكشف المرحلة العربية عن ملامحها هو دون شك حالة من حالات الإبداع لأن مثل هذا الإستباق والإستشراف للمرحلة إنما يعبر عن ولادة مبكرة لمنهج جديد في الفكر ولنظرة أصيلة للذات والى العالم ولأسلوب جديد وطريقة جديدة في التعامل مع الماضي والحاضر والمستقبل ومع الأمة والوطن والعالم . لذلك كان البعث حالة من حالات الإبداع في الأمة فهو وإن كان تتويجا لمرحلة طويلة من الإنضاج الفكري والنضالي للأمة العربية إلا أنه إسهام مبدع في عملية الإنضاج هذه وتعبير مبكر عن هويتها وطبيعتها وآفاقها وأهدافها . قبل البعث كانت النظرة الى الأمة من خلال النظرة الى المستعمر ومجتمعه وحضارته (الغرب) فكانت (النظرة الدينية التقليدية) ردا على الطابع الديني الذي تسربلت به الموجات الإستعمارية منذ الحروب الصليبية وكانت (النظرة القومية التقليدية ) إقتباسا عن المفاهيم القومية والحركات القومية كما ظهرت في الغرب . كذلك ( الفكر الإشتراكي الأممي) والفكر (الديمقراطي والليبيرالي والإصلاحي) كلها كانت نسخا عن الغرب . وكانت بالإضافة الى النظرة (الخارجية) الى الأمة تنظر إليها من خلال الواقع المزيف المشوه الذي صنعه الإنحطاط والإستعمار (واقع التخلف والجزئة) فلم تعط للمفهوم الحضاري ولا للجانب الوحدوي الأهمية البارزة التي تميزهما كما أنها بقيت عاجزة عن النظرة الشاملة المحيطة بجميع تناقضات الواقع العربي والنظرة العميقة النافذة الى حركة الواقع العربي وبالتالي غير مؤهلة لإكتشاف قوانين هذه الحركة . فالتقليد والتبعية والببغاوية والشكلية كانت هي السمات الغالبة في الفكر العربي وما كن يظهر بين الحين والآخر من ومضات الإبداع لم يكن قد أخذ بعد طابعه الثوري الشمولي العميق . مع البعث بدأت تتبلور صيغة فكرية شاملة وظهر منهج فكري جديد ودخلت الأمة بمرحلة جديدة ؛ فالإبداع في البعث هو أولا في هذا التحول الحاسم والتاريخي من النظرة الخارجية للأمة أي من خلال الإنتقال من وعي الآخر ( المستعمر) الى النظرة من الداخل أي من خلال وعي الأمة لذاتها ولتناقضات واقعها . هكذا ولدت النظرة الأصيلة الشفافة التي تعكس الوحدة بين فكر الأمة وذاتها بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها بينها وبين العالم المعاصر . وفي فكر البعث عبرت النهضة العربية عن نفسها في صيغة جديدة تجاوزت ردود الفعل على الحالات الطارئة في الأمة الى مستوى التعبير عما تنطوي عليه المرحلة الجديدة من سمات إيجابية : " إذا نظرنا الى يقضة العرب الحديثة نجد أن الدور الأول الذي مرت به هذه اليقضة تنطبق عليه صفات التأثر السلبي المنفعل فكل مظاهر اليقضة سواء في السياسة أو الإجتماع أو في الفكر إنما هي رد فعل لما سبقها من حالة الجمود والإنحطاط فكأنها تقلد تقليدا حرفيا الحالة التي قامت لتنفيها وتتمرد عليها .. إن الحركة الأصيلة لا يمكن أن تأتي جوابا على حالة طارئة في الأمة والذين تتبعوا حركة البعث العربي في الناحية الفكرية على الأقل يستطيعون أن يلاحظوا منذ بدء الحركة إهتمامنا البالغ بأن نجعل من حركة البعث الخطوة الإيجابية التي يجب أن تأتي بعد الخطوة السلبية... " -1- ومع البعث تحققت الصلة المبدعة بالتراث : " لم نلجأ الى التراث كما يفعل التقليديون من أجل التكرار والتقليد غير المثمر وغير المنتج أي أننا لم نطلب من التراث أن يكون بديلا عن الجهد الذي يطلب منا أن نقدمه وإنما نحن عشنا الثورة المعاصرة بكل متطلباتها ومن خلالها وجدنا أن تراثنا يعطينا أصالة لا يمكن لأية ثورة أو أية نظرية فلسفية معاصرة أن تهبنا إياه ... " -2- . فالعودة الى الماضي تكون في نفس الوقت الذي نتجه فيه الى المستقبل فتكون اقدامنا ثابتة على أرض الواقع وصاعدة مع حركة التطور الأصيل والماضي الذي نحنّ إليه هو ثورة الأمة عبر تاريخها والإتصال بهذا الماضي لا يكون مشروعا ومبدعا إلا من مواقع ثورية : " كان إنتسابنا لأجدادنا الأبطال إنتسابا رسميا لا أكثر وإتصال تاريخنا الحديث بتاريخنا المجيد إتصالا طفليا لا عضويا . اليوم يجب أن نقوم بالأعمال التي تبرر نسبنا الرسمي وتجعله حقيقيا مشروعا ." -3- . وأصبح الإبداع في النضال هو أساس الصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل لأن البعث إنطلق من مفهوم ثوري جديد للتاريخ : " إن النضال بمعناه الواسع العميق هو السبيل الى بعث الروح العربية وتحقيق الإنقلاب العربي ..." -4- لماذا ؟ لأن الماضي كان (إبداعا) برر فيه العرب وجودهم كأمة حضاريــة : " ولا ننس أن حضارة العرب في القديم لم تكن ممكنة وما كانت لتتحقق لولا تلك الفترة النضالية التي لم تتجاوز عشرات السنين ولكنها كانت هي الخميرة الروحية التي سمحت للعرب فيما بعد أن يحتفظوا بقوة الإبداع وبقوة الخلق ... " -5- . واليوم عندما نتساءل : هل هناك أمة عربية متحققة ؟ يأتي جواب البعث : " إنها متحققة في كل مكان يوجد فيه نضال وبشكل خاص إذا كان جديا يواجه الموت في كل ساعة في حالة مجابهة الموت ترتفع الغشاوات وكل أثقال الجمود التي تراكمت خلال القرون كل هذه الأثقال التي جعلت منها أمة ضعيفة وأفقدتها إمكانية الحضارة أمتنا إذن موجودة في كل مكان يحمل فيه أفرادها السلاح ..." -6- لذلك كان النضال هذا الينبوع الثر للإبداع المصدر الأساسي لفكر البعث : " إن النضال هو الذي أوجد فكر الحزب .." -7- . ولذلك كان فكر البعث سلسلة من الإكتشافات والإنضاجات المبدعة لمنطلقات الفكر العربي الثوري في المرحلة التاريخية الراهنة . على الصعيد القومي كان إكتشاف أهمية الظاهرة القومية في عصرنا في الوقت الذي كانت فيه النزعات الأممية المجردة تدعي أن القومية مرحلة إنتهت وأصبحت من الماضي ولم تعد محركا للتطور في المجتمعات الحديثة . وكان فيه الكلام عن القومية العربية والوحدة العربية يصطدم بالنزعات الإقليمية ومصالح التجزئة وعقليتها . كما كان إكتشاف السياق التاريخي الجديد لقومية الأمم المقهورة المستعمر المستغلة المجزءة المتخلفة وقومية الشعوب المناضلة ضد الإستعمار والتجزئة والإستغلال الطبقي وكشف الطابع التحرري التقدمي والطابع الإنساني الحضاري لها . ثم كان إكتشاف وحدة التناقضات الأساسية القائمة في المجتمع العربي ووحدة العلاقة بين النضال القومي والنضال التحرري والنضال الإشتراكي في الوطن العربي . وكذلك إكتشاف المرحلة التي تمر بها الأمة العربية وأنها مرحلة ثورية تواجه تحديات تاريخية تتطلب مواجهتها نظرة شمولية الى واقع الأمة ونظرة عميقة الى تناقضاتها وجيلا ثوريا جديدا تتحقق فيه الصفات المميزة لفكرته . ثم إكتشاف ثورية الوحدة العربية والمفهوم العلمي للوحدة والأبعاد الطبقية والأممية للنضال القومي الإشتراكي التحرري والطابع الديناميكي للنضال الوحدوي ووحدة القضية القومية والعلاقة بين وحدة النضال ونضال الوحدة بين القومية والإشتراكية بين القومية والدين بين القومية والإنسانية بين القومية والنظرية القومية بين الوحدة العربية والقومية العربية وعلاقة التجربة العربية بتكوين العالم الجديد وإستراتيجية العمل الوحدوي وعلاقة الوحدة بالتحرير كل هذه السلسلة المتلاحقة من الإكتشافات الفكرية كانت ثمرة لوحدة الفكر والممارسة ونتيجة للمعاناة العميقة للفكر المناضل الذي إنطلق من نظرة قومية مستمدة من تحليل علمي جدلي تاريخي وهو أساس إنطلاقته المبدعة لأنه تعبير عن تطور نوعي في طريقة فهم الظواهر وإنتهى الى تحديد لهوية الأمة عبر إكتشافها لذاتها وسياقها التاريخي فكان فكر البعث تعبيرا عن نضج في وعي الأمة العربية لذاتها وللعالم . إن إنطلاق فكر البعث من منهج فكري جديد كان إذن التعبير الأول عن الطاقة المبدعة فيه فالمنهج الفلسفي سواء في إطاره المادي أو المثالي لم يكن بحكم الصيغ النظرية المطلقة التي بقي أسيرا لها بقادر على النفاذ الى العلاقة الثانية التي تحكم التناقضات القائمة في الواقع العربي . وبالتالي إكتشاف قوانين المرحلة الراهنة لذلك فإن حرص البعث على أن يكون فكره نابعا من المعاناة النظرية والعلمية الهادفة الى إكتشاف حركة الواقع العربي والعلاقة بين أبعاده الزمانية والمكانية ومحققا لأهداف الأمة يشق طريق تحررها وإنبعاثها كل ذلك قد جعله يقف موقفا نقديا من مناهج الفكر الصورية الشكلية ومن المناهج الجدلية الفلسفية وأن يشق لنفسه طريقا جديدة على صعيد ( منهج الفكر) . فكان المنهج ( العلمي) المتحرر من الصيغ الفلسفية الإطلاقية و (الجدلي) الذي ينفذ الى المحركات الأساسية للتطور في المجتمع العربي . والذي يقترن بموقف ثوري يربط المعرفة بالواقع من أجل تغييره ضمن أهداف المرحلة التاريخية وحاجات الأمة العربية في نضالها من أجل تحقيق إنبعاثها . إن هذا المنهج العلمي الجدلي التاريخي قد كان من أهم التجليات المبدعة لفكر البعث وقد زود الفكر العربي الثوري بقدرة هائلة على فهم معطيات العالم المعاصر ومشكلات الأمم الكادحة ورفعه الى مستوى عالمي وجعله منذ بداية الأربعينات مواكبا لحركة التطور المتسارع في العالم لأن المنهج العربي الجديد قد أنقذ الفكر العربي الثوري من القوالب والقواقع واللآهوت الفكري الذي إنتهت إليه الإيديولوجيات والتحليلات النظرية الميكانيكية الجامدة من مراحل التطور السابقة للنصف الثاني من القرن العشرين . لقد إسترد الفكر العربي الثوري حريته في البحث والمعاناة بواسطة المنهج العلمي الجدلي التاريخي الجديد الذي إلتزمه لذلك كان إلتحامه بالواقع أقوى من إلتحامه بالصيغ النظرية وبحركة الواقع أكثر من المظاهر السكونية الجزئية السطحية المعبرة عنه . وبفضل هذا المنهج أصبح الفكر العربي الثــــــــوري ( شفافا) يرى حركة الواقع بشكل مباشر وعميق و( نفاذا ) يصعد الى الأصول والعوامل الأساسية لهذه الحركة وللتناقضات القائمة في المجتمع العربي و(متفاعلا) مع المعارك النضالية على إمتداد الوطن العربي يغتني بها ويعزز نظيته الشمولية وإنفتاحه الدائم على التجربة و( حيّا) بعيدا عن التبلور الكاذب والإدعاء والصنمية : " كل حركة وهذه طبيعة الحركات الإجتماعية وطبيعة المجتمعات معرضة لأن تفقد من عفويتها من حريتها من أصالتها وأن تطفي أصالتها الشعارات التقليدية وأن تطغى عليها الألفاظ أن تصبح صنما . فليس الأشخاص هم الذين يصبحون أصناما فحسب فقد تصبح الحركة صنما وقد تصبح أفكارها أصناما وهذا شر ما يمكن أن تبتلي به حركة تريد أن تخلق وتبدع ..." -8- . وعلى صعيد الفكر الإشتراكي كان جتنب الإبداع في فكر البعث واضحا في تعميق (مفهوم الضياع) وتعميق (التحليل الطبقي) وإكتشاف ( الأبعاد القومية والعالمية للصراع الطبقي) داخل الواقع القطري العربي الذي رسمت حدوده الظاهرة الإستعمارية وعززته المصالح الطبقية للتجزئة وكذلك ربط الإشتراكية بإطارها الوحدوي وإعتبار الحرية والإشتراكية هدفين حقيقيين ومتلازمين . ورفض فكرة النموذج الواحد للإشتراكية وربط فكرة الإشتراكية العلمية بالتحليل السوسيولوجي العلمي للواقع الإجتماعي بين مختلف العوامل التي تؤدي الى الصراع الطبقي وتحديد دور الطبقة العاملة على ضوء عوامل الصراع وشروط النضال المتكاملة المتداخلة في الوطن العربي ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية وضد التجزئة والتخلف ؛ والتركيز على الخصوصية (لا على الخصائص) في الوضع الإجتماعي العربي وظروفه المعقدة . حتى يأخذ التحليل الإشتراكي طابعا تجريديا يكتفي بالقوانين العامة أو بنقل صيغ التحليل الجاهزة المطبقة في مجتمعات تختلف في بنيتها ومراحل تطورها عن المجتمع العربي الراهن . (فالواقعية العلمية) تعني الإنطلاق من الواقع المباشر الملموس ومن المرحلة التاريخية التي تحدد تطور المجتمع . و(الإشتراكية العلمية) تعني تطبيق التحليل العلمي الجدلي التاريخي تطبيقا شاملا ودقيقا على البنيان الإجتماعي وحركة تطوره . والأخذ بمنطلقات الفكر الثوري العالمي لا يعني تحويل هذه المنطلقات الى آيات منزلة . وعلى هذا أساس هذه المنطلقات العلمية الثورية قامت نظرة البعث الإشتراكية فكان رفض النزعة الإصلاحية الإقتصادية والنزعة الأممية المجردة والإستسلامية العلمية . وكان الكشف عن طوباوية النزعة القطرية الإشتراكية وعن لا ثوريتها . كا كان الإهتمام بالسمات المميزة للمجتمع المتخلف وكذلك بالتطور الذي إنتهت إليه المرحلة الراهنة في أزمة الإمبريالية وفي بنيتها وعلاقاتها بالمجتمعات المتخلفة وبتجارب العالم الثالث الجديدة . وكشف المحتوى الحضاري للفكر الإشتراكي في السياق الراهن لهذه التجارب وخاصة في الوطن العربي حيث الصراع المصيري مع الإمبريالية ونظامها الرأسمالي والصهيونية وكيانها العنصري ومع الرجعية الحليفة لها . كما كان الكشف عن عجز البورجوازية العربية والتشويه الذي لحق بها منذ نشوئها كظاهرة تابعة لبنية المجتمع الرأسمالي وأنظمته الإستعمارية وعن الدور الحقيقي لليورجوازية الصغيرة وعن دور النفط في تعميق الصراع الطبقي وعن العلاقة بين الإشتراكية والوحدة العربية وعن المفهوم الطبقي للقومية الكادحة المناضلة وعن الضيغ الراهنة للصراع الطبقي في الوطن العربي . وبفضل إستخدام المنهج الجدلي العلمي التاريخي إستطاع فكر البعث أن يحقق على صعيد (مفهوم الحرية) تقدما وسبقا على (المفاهيم الجزئية) التي كانت مطروحة والتي كانت تحده ضمن إطار مفهوم التحرر السياسي من الإستعمار أو التحرر الإقتصادي وكذلك ( المفاهيم الفلسفية) للحرية التي كانت تلتزم المنطق الصوري في تحليل العلاقة بين الحرية والإنسان أو تنحو في تطبيقها للمنطق الجدلي نحوا ميكانيكيا تجريديا فتعطي للحقائق النسبية صيغة المطلق وتقيم في وجه مطلق الإنسان (المثالي) مطلق المجتمع والعلاقات الإجتماعية المادية . فكان فكر البعث مبدعا سواء من حيث أحاطته الشاملة بأبعاد مشكلة الحرية في المجتمع العربي أو من حيث إكتشافه للروابط الجدلية بين التناقضات الموضوعية والذاتية التي تشكل المضمون الحي لهذه المشكلة . فقد ربط البعث بين مفهوم الحرية ومفهوم الإنبعاث القومي ربطا جدليا جعل أبعاد مشكلة الحرية منطبقة على أبعاد النضال العربي ضد عوامل الإستلاب والإنحطاط : فهي (التحرر السياسي) من الإستعمار على مستوى الوطن العربي أي تحرر يتجاوز الإطار القطري ويلتحم بحاجات الأمة فيتحد بمفهوم (التحرر من التجزئة) وهي (التحرر الإقتصادي ) الذي يشكل ضمانة التحرر السياسي . كما هي (التحرر الإجتماعي ) الذي يضع حدا للإستغلال الطبقي للتناقض بين الصفة الجماعية للإنتاج والصفة الفردية للتملك . وهي (التحرر السيكولوجي) من عوامل (الإحباط والتمزق والتناقض) داخل الشخصية العربية . وهي فوق ذلك كله تعني ( التحرر من التخلف) فهي ثورة داخلية وخارجية تهدف الى خلق الإنسان والمجتمع العربيين الحضاريين . ثورة يلتحم فيها مفهوم الحرية بالإشتراكية وبالوحدة . فالحرية حسب مفهوم البعث لا تتوقف عند حدود تحرير الإنسان العربي من آثار المرحلة الإستعمارية التجزيئية التخلفية الإستغلالية وتحريره من الخوف ومن التبعية ومن اللاشخصية وغيرها من العوامل الموضوعية والذاتية السلبية . بل إن مفهوم الحرية يتضمن أيضا الربط بين مفهوم (التحرر الذاتي والموضوعي) للفرد والأمة وبين مفهوم بعث الشخصية الفردية والإجتماعية أي أن هناك بعدا (حضاريا) لمفهوم الحرية . فثورة الحرية تهدف الى خلق الإنسان المناضل المبدع والى خلق المجتمع ذي الرسالة الإنسانية لذلك كان مفهوم البطولة الذي ينظر الى الإنسان كطاقة مبدعة والى الجماهير كطاقة ثورية تاريخية وهو التعبير عن جوهر مفهوم الحرية في البعث : " الآن تنطوي صفحة من تاريخ نهضتنا العربية وصفحة جديدة تبدأ .... عهد البطولة ... في هذا العهد الجديد الذي بدأت تباشير صبحه تختلج في الأفق نريد أن تكون النهضة والإستيقاظ في كل عواطفنا الشريفة ومواهبنا العالية لا أن تنحصر اليقضة في عاطفة واحدة ضيقة لم يعد يرضينا أن نسمع أن ذلك الشخص زطني إن لم يكن في الوقت نفسه إنسانيا فالعاطفة الوطنية إذا لم تكن مصحوبة بهذه الصفات قد لا تكون غير مجرد كره للأجنبي وهذه ليست غايتنا لسنا نطلب الإستقلال لننعزل عن بقية الشعوب ونقيم سدا بيننا وبين الحضارة الإنسانية لسنا نصبو الى الحرية لنعيش في الفوضى إننا نطلب الإستقلال والحرية لأنها حق وعدل قبل كل شيء ولأنها وسيلة لإطلاق مواهبنا العالية وقوانا المبدعة كي نحقق على هذه البقعة من الأرض التي هي بلادنا غايتنا وغاية كل إنسان الإنسانية الكاملة ..." -9- . وعلى الأساس هذا المفهوم الجدلي العلمي التاريخي للحرية الذي هو أحد التجليات المبدعة لفكر البعث يتضح معنى لتأكيد على أن (الحرية ليست شيئا كماليا في حياة الأمة بل هي جوهر هذه الحياة وأساسها) وأن الحرية هي (الوحدة وهي الإشتراكية) ضمن إطار المعنى الحضاري الإنساني الإنبعاثي لهما . فتأكيد المعنى الجدلي المتكامل للحرية المتمثل بهدف (إعادة بناء الشخصية العربية وتحويلها الى طاقة حرة مبدعة ) والتركيز على أن ( الحرية معركة داخلية وخارجية حاسمة وثورية وجذرية) وأن الحرية تنطلق من النضال من أجل ( إستعادة القدرة على متابعة طريق الثورة في الحياة العربية) وكذلك النظرة الجدلية الى علاقة الفرد بالمجتمع والعوامل الذاتية بالعوامل الموضوعية . المتجاوزة للمنظارين الليبيرالي والمجموعي والتأكيد على الساسين (الإجتماعي والخلقي) للدولة في مفهوم البعث . والنظر الى الحرية كعملية (تجدد دائم) عبر نضال مستمر وجوهري يطلق الطاقات الفردية والجماعية ويحقق الوحدة الداخلية للشخصية . كل ذلك يعني أن الحرية في البعث هي تعبير عن (وعي الأمة لذاتها ولضرورات المرحلة التاريخية وإختبار حر لوسائل تحررها ) . فهي (وعي للضرورة) كما أنها (وعي للذات) وهي (إختيار حر لطريق التحرر) وهي (تحقيق للذات) و(مساهمة في تحرير الإنسانية) والإشتراكية هي المعيار الموضوعي لتحقق الحرية وضمان التحرر والإستقلال والنهوض من التخلف . والوحدة هي ضمانة الحرية لأن حرية القطر الواحد لا تشكل ثقلا نوعيا إلا إذا كانت جزءا من عملية النضال من أجل تحرير الوطن العربي ( فالحرية لا تتحقق للعرب إلا في ظل الوحدة) .والحرية هي معركة إنسانية شاملة تشكل المعركة القومية جزءا لا يتجزأ منها ومنطلقا حيا واقعيا لها . إن إكتشاف هذه الحلقات والأبعاد وروابطها الجدلية هو المظهر الأساس للجانب الإبداعي في فكر البعث . ولقد كان البعث سباقا في التأكيد على النتائج الثورية الهائلة للربط بين الإشتراكية والوحدة العربية أي بين النضال القومي والصراع الطبقي كما كان سباقا أيضا في التأكيد على الأهمية الإنسانية والحضارية للربط بين الإشتراكية والحرية فالحرية قوة دافعة وهدف أساس جنبا الى جنب مع الإشتراكية تتفاعل وتتكامل مع هدف الإشتراكية . ثم إن أهم مميزات فكر البعث أنه كان دوما (فكرا حرا متفتحا وواقعيا) لذلك كان مبدعا إستطاع أن يعبر عن ( الحاجات الثورية الجديدة بما يحفظ للأمة العربية شخصيتها وتوازنها ومستقبلها الحضاري إذ لا حضارة مع التقليد والتبعية ) فقد أدرك فكر الحزب أن هناك " فراغا متروكا للعبقرية العربية التي تكتشف من خلال التجربة العربية ومن خلال النضال المفاهيم العلمية الحية الجديدة للقومية وللإشتراكية وللعلاقة بينهما وبين الحرية " -10- . لقد كان إستيعاب فكر البعث إستيعابا مبدعا للظاهرة الإستعمارية وتطورها وللإستعمار الجديد والإمبريالية والصهيونية ولظواهر التخلف والتجزئة ودورها في تحديد التناقضات الأساسية للواقع العربي في المرحلة التاريخية الراهنة . لقد كان ذلك دليلا على إمتلاك البعث لمنهج فكر جديد يتجاوز في صحته وفي فعاليته المناهج القديمة التي تجاوزها تطور الفكر الثوري في العالم المعاصر . كما أن تحديد تناقضات المجتمع العربي والوصول الى تحديد الأهداف الكبرى على ضوئها أي إمتلاك الصيغة الفكرية الشاملة قد كان أهم تعبير عن هذا الإبداع . ومن هذه الزاوية نستطيع أن نبين لماذا كانت هذه النظرة الداخلية الى القضية العربية النظرة الأصيلة الصافية التي إكتشفت حقيقة الأمة في هذه المرحلة التاريخية وأهدافها وحاجات نضالها . نعم لماذا كانت تلك النظرة أشبه بفتح جديد في حياة العرب المعاصرة ونضالهم القومي التقدمي التحرري ولماذا كان ظهور البعث : " ثورة في تاريخ الأمة العربية بمعنى أن حركة البعث لم تكت إستمرارا آليا لما قبلها بل كانت عبارة عن إنقطاع أو بتر إرادي واع وإرتفاعا الى مستوى جديد من التفكير والجو الروحي رغم ما إنتابها من ضعف ونقص ودخلها من شوائب ..." -11- . فالإبداع هو في أساس ولادة البعث فكرة وتنظيما ونضالا ؛ هو في الموقف الفكري الجديد من قضايا الأمة الفكر المعجون بالنضال الذي إستطاع أن يضيء الوضع العربي وأن يكشف كل ممكناته . وهو في المنهج الجديد الذي إلتزمه البعث المنهج الجدلي العلمي التاريخي الذي تجاوز المناهج السابقة للفكر الثوري التقليدي . وهو في هذه النظرة الحرة المستقلة التي رفضت التبعية الفكرية والتي إنطلقت من الثقة بالنفس وبالأمة ومن المعاناة الداخلية ومن الإنفتاح على التيارات الفكرية المعاصرة ومن التمسك بكنوز التراث العربي وبأصالة النظرة التاريخية ومن إمتلاك الجرأة على ممارسة النقد الذاتي والنقد المنبعثين من الإخلاص للحقيقة . وهو في هذا الربط بين مفاهيم الوحدة والحرية والإشتراكية وبين المفهوم الإنساني الحضاري الثوري التقدمي للإنبعاث القومي . فالوطن العربي يمر بحالة تحول حضاري من الإنحطاط الى النهضة ليعيش من خلال ثورته الشاملة حالة من حالات الإبداع الإنساني الكامل المبدع للأمة وللإنسان العربي الجديد. وأخيرا هو في هذه العودة المبدعة الى التراث وفي هذه الصلة بالتراث الثوري العالمي وبتيارات العصر الفكرية أي في هذه القابلية الدائمة للتطور والتجدد ضمن إطار الإخلاص لقضية الأمة ومصيرها ومصير الإنسانية وقيمها النضالية التقدمية . وبكلمة واحدة هو في وضع الأمة على طريق التحقيق الكامل للذات وتحقيق الإنسانية الكاملة .
الهوامش :
-1- معركة المصير الواحد : ميشيل عفلق ص 9- 11 .
-2- محاضرة الأستاذ ميشيل عفلق بتاريخ 19/01/1976.
-3- محاضرة ذكرى الرسول العربي : ميشيل عفلق في سبيل البعث ص 123.
-4- ميشيل عفلق : في سبيل البعث ( البعث العربي هو الإنقلاب) ص 64.
-5- نفس المصدر ص 60.
-6- ميشيل عفلق : نقطة البداية ص 213.
-7- في سبيل البعث ص 260.
-8- في سبيل البعث ص 40.
-9- في سبيل البعث ص 6.
-10- ميشيل عفلق : النضال ضد تشويه حركة الثورة العربية . بيروت 1975 ص 50.
-11- في سبيل البعث ص 279.
الدكتور إلياس فرح
بحث منشور بمجلة آفاق عربية العدد 8 نيسان 1976