عاشق السلفية
25-06-2011, 05:49 PM
. بسم الله الرحمن الرحيم
(الأحكام المتواترة للوقاية من الفتن المستعرة)
قال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }المائدة50
إِنَّ اَلْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِيِنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ,وَنَعُوْذُ بِاْلله مِنّ شُرُورِ أَنْفُسِنَاْ,وَمِنْ سَيئَاْتِ أَعْمَالِنْاَ,مَنْ يَهْدِهِ اَلله فَلاَ مُضِلَ لَهُ,وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِياَ لَهُ,وَأَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إلاَ اَلله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لِهُ,وَأشْهَدُ أَنَّ مُحمَدً عَبْدُهُ وَرَسُوُلُهُ.أَماَ بَعْدُ:فإِنَّ أَحسَنَ اَلكَلَامْ كَلامُ اَلله,وَخَيرَ الهَديْ هَديُ مُحَمَدٍ صَلَى الله عَليهِ وَسَلمْ,وشَرَ الأُمورِ مُحدَثاَتُهَا,وَكُلَ مُحدَثَةً بِدْعَة,وَكُلَ بِدْعَةً ضَلاَلةْ,وَكُلَ ضَلاَلَةٍ فْيَ الْنَارْ أما بعد :
إن أفضل شيء في حياة الإنسان أن يعيش حياته على علم وبصيرة ، وتكون هذه الحياة مبينة وفق ثوابت تسير عليها ، تنظم وقتها ، وتحمي حقوق أبنائها ، تنشر العدل ، وتمنع الظلم ، فتكون الحقوق فيها معلومة والجور والاعتداء ممنوعا ، والمتتبع في سير الأمم وحياة البلدان ونظام الحكم في كل وقت وزمان ، يجد أن المجتمعات تعيش بعيدة كل البعد عن هذا الواقع الذي يناشد به كل صغير وكبير من أفرادها ، وهنا لابد من وقفة نضع النقاط على الحروف ونعطي نصاب الأشياء ، ونعترف بحقيقة غيبتها المجتمعات بنفسها ، إن عناية الله تعالى لخلقه لم تقتصر على الخلق وحسن الصورة والرزق فحسب بل كاملة الجوانب وظاهرة المعالم ، الأمم السالفة قبل جربت كل جزئيات الحياة فلم تنعم ولم تسعد إلا حين يبعث الله لهم نبيا ينشر بينهم العدل ويرفع عنهم الظلم ويطبق فيهم إرادة رب الأرض والسموات في تحقيق معنى العبودية التي هي غاية ماينشده كل فرد من أبناء المجتمع الإنساني حيث أنها ثمرة العيش الكاملة ففيها الإذعان الكامل لله رب العالمين ، وإقامة ما أوجبه الله من تطبيق نظام العدالة في المجتمع ..
________________________________________
وبينما نحن نتكلم عن حاجة الأمم إلى الزاد الذي ينمي ودها وينشر خيرها ويحمي حقوقها ، ويديم عزها ، ويرشد أبنائها إلى الخير ويحذرهم من الشر ، وبينما أنا أتطلع حال الأمة والفراغ الذي قتل وحدتها ونشر العداوة والبغضاء بين أبنائها ، فأهضمت الحقوق ، وانتهكت الحرمات ، وعلت الارآء والأفكار والمناهج وطمست شريعة الله وتكلم الصغير والجم الكبير وقدم الجاهل ، وركن العالم ، فكذب الصادق وصدق الكاذب وانحاز الناس للرغبات والشهوات فكثر الهرج والمرج ، فهل من منقذ ينقذ الناس مما هم فيه وهل من منصف يقول قولة الحق التي تعيد الناس إلى صوابهم ، قرأت رسالة عظيمة فيها مفاتح الخير ، والوقوف عليها وقوفا في غلق باب الشر ، مفاتحها ظاهرة ، ومعالمها واضحة ، من سار على نهج مافيها نجا ومن أعرض واتبع نفسه هواها حلت به كارثة ، إن أعرضت الأمة عن مضمونها ، انتهكت حرماتها وقتل أبنائها بعضهم البعض، وهانت بعين عدوها ، رسالة في السياسة الشرعية للشيخ المجاهد أبي عمر محمد بن عبد الله السيف الجابر آل بوعينين التميمي المتوفى سنة 1426هـ رحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الشهداء والصالحين وحشرنا وإياه والمخلصين من أبناء هذا الدين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا , دراسة عظيمة ورسالة أظهرت عقيدة أهل السنة والجماعة ذكر فيها كاتبها كل أصول الاعتدال عند أهل السنة والجماعة ، ولحال الأمة المرير والمؤلم ، ولوجود بعض الإشكاليات على من لم يطلع على عقيدة أهل السنة وظهور دعاة الضلال ومحاولتهم تلبيس بعض النصوص ووضعها في غير محلها ، وحرصا منا على إظهار الحق وبيان ما يجب على المسلم فعله والتمسك به أردت إعادة نشر هذه الدراسة الكبيرة عسى الله بعزته وجلاله يجعل فيها كرامة لمن يقرئها من أبناء الأمة ، فينتفع الجميع ، ويقفوا جدارا قويا أمام زحف أهل الأهواء والبدع الذين تركوا الكفار يسرحون ويمرحون في بلاد المسلمين وأشعلوا نار الفتنة بين أبناء الأمة ، والله يشهد ما أردت إلا الإصلاح ما استطعت وحسبي الله ونعم الوكيل .
الإمامة الكبرى:
الإمامة واجبة على المسلمين، وهي ضرورة لقيام دينهم،وحكمه في الأرض، وإصلاح أمور دنياهم ومعاشهم، وقد قال تعالى: ( إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً. يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ), وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه " إنه لا إسلام إلا بجماعة, ولا جماعة إلا بإمارة, ولا إمارة إلا بطاعة, فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم, ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكا له ولهم). رواه الدار مي
وقال الماوردي رحمه الله: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا, وعقدها لمن يقوم بها من الأمة واجب بالإجماع"(1), وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"، رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.
وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم" فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة "(1).
فصل شروط الخليفة :
الشرط الأول:
أن يكون عالما مجتهدا يستطيع الاجتهاد فيما يعرض عليه من شؤون البلاد، ويسوس الدولة سياسة شرعية فكما أن العلماء ورثة الأنبياء, فكذلك الحكام يسيرون في سياسة الدولة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ، ولا يمكن لمن يجهل أحكام الشريعة أن يسوس البلاد والعباد سياسة شرعية ، ولهذا فالواجب أن يكون الإمام عالما مجتهدا يقود الناس على علم وبصيرة, وقد قال تعالى(قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (
وفي كتاب السنة للخلال قال رجل لعمر رضي الله عنه في أمر الاستخلاف: "يا أمير المؤمنين ، فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله ، والله ما أردت بها الله، استخلف رجلا لم يحسن يطلق امرأته ، فتأمل قول عمر في ابنه عبد الله رضي الله عنهما وهو من كبار علماء الصحابة رضي الله عنهم, وقال عمر رضي الله عنه "تفقهوا قبل أن تسودوا" أخرجه ابن أبي شيبة وغيره وصححه الحافظ ابن حجر وقال البخاري بعد هذا الأثر"وبعد أن تسودوا"
حتى لا يفهم أن السيادة مانعة من التعلم, وهذا الأثر يدل على أهمية التعلم قبل الولاية, حتى يسوس الأمير الرعية على بصيرة وعلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الشرط الثاني:
أن يكون الإمام قويا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم ، وخبيرا مجربا ذا رأي وحكمة ، وحسن سياسة وتصرف في تجييش الجيوش ، وخوض الحروب, وحماية البلاد ، وردع أهل الفساد والظلم في الأرض والانتصار للمظلومين, وأن يكون صارما حازما، لا تأخذه رأفة في تنفيذ القصاص والحدود وسائر العقوبات قال تعالى: **إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ(
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "ومن هنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه "(1)
و قال العلامة السعدي رحمه الله: "فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم؛ بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة؛ وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة، وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال"(2), وقال تعال: خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ},
قال ألسدي" بجد, واجتهاد", أخرجه ابن جرير, وقال تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}, وقال تعالى: **وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُل شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لكُل شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}, أي بجد واجتهاد, قال ابن عباس رضي الله عنهما: "بجد وحزم" أخرجه ابن أبي حاتم وغيره وعن قتادة في قوله تعالى)فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ - قال: "إن الله تعالى يحب أن يؤخذ أمره بقوة وجد " أخرجه عبد بن حميد, وقال تعالى (يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّة( فالأمير ينبغي أن يكون قويا بلا عنف, وأن يكون لينا بلا ضعف, وقال تعال )فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ }, قال ابن عباس "ذوو الحزم والصبر" والحزم هو ضبط الأمر وتنقيحه والاحتياط فيه والحذر من الخطأ وشدة الاهتمام في تحصيل المصلحة, قال ابن عطية: "الحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه ", وقال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «المُؤمِن الْقَوِيُّ خيرٌ وَأَحبُّ إِلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وفي كُلٍّ خيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا ينْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ. وإنْ أصابَك شيءٌ فلاَ تقلْ: لَوْ أَنِّي فَعلْتُ كانَ كَذَا وَكذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قدَّرَ اللَّهُ، ومَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان». رواه مسلم.
ومن القوة أن يكون الإمام شجاعا قادرا على خوض الحروب ومواجهة الأعداء من الكفار والمنافقين, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الولاة: " فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم، لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك ", وقال: "فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لايصلح الدين والدنيا إلا بذلك، ولهذا كان من لايقوم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره كما قال الله تعالى: **يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ* إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال تعالى: **هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (1), وقال تعالى (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}, وقال تعالى: **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ منَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}, وقال تعالى: **فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}, وقال تعالى: **مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً منَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ منْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}, وقال تعالى: **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، فوصف الله تعالى الذين يحبهم ويحبونه بالذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله, وعدم الخوف من لوم اللائمين، فلا يصدهم عن إقامة شرع الله والجهاد في سبيل الله لوم أهل الكفر والنفاق، وما يفترونه في وسائل إعلامهم, فإن القلب لا يلتفت إلى أقوالهم ويحرص على مراعاتها، إلا إذا كان فيه من التعبد لأعداء الله بحسب ما فيه من مراعاتهم وطلب مرضاتهم, قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: **أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه، متعززاً على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: **مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الضحوك القتَّال، فهو ضحوك لأوليائه قتَّال لأعدائه, وقوله عز وجل( يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ) أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل "(1) و عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقى، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولاقوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش" رواه أحمد, وقال الإمام ابن جرير عن عمر رضي الله عنه: وكان رضي الله عنه شديدا على أهل الريب، وفي حق الله صليبا حتى يستخرجه، ولينا سهلا فيما يلزمه حتى يؤديه وبالضعيف رحيما رؤوفا "(1), وفي كتاب الزهد لابن أبي عاصم " عن معاوية بن خديج قال: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بفتح الإسكندرية ".. وفيه " قال عمر: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: إن أمير المؤمنين قائل, قال بأس ما قلت, أو بأس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعن الرعية, ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟!", وقد كان رضي الله عنه صارما في أمر الله، قويا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم ، قد جعل الله له هيبة في قلوب العباد, قال الحسن عن عمر رضي الله عنه: "غلب الناس بالزهد في الدنيا، والصرامة في أمر الله، ولا يخاف في الله لومة لائم" مصنف ابن أبي شيبة, وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك" رواه البخاري ومسلم.
كما يجب على الإمام أن يكون قويا في تنفيذ أحكام القضاء والقصاص والحدود وسائر العقوبات، وألا تأخذه رأفة في ذلك, قال الله تعالى: **ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ منَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
وأما الضعيف فلا يصلح للإمارة, كما في حديث أبي ذرٍ رضي اللَّه عنه قال: قال لي رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "يا أبا ذَر أَرَاك ضعِيفاً، وإني أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لِنَفسي، لا تَأَمَّرنَّ على اثْنيْن ولا تولِّيَنَّ مال يتِيمِ" رواه مسلم, وعنه قال: قلت: يا رسول اللَّه ألا تَستعمِلُني؟ فضَرب بِيدِهِ على منْكبِي ثُمَّ قال: "يا أبا ذَرٍّ إنَّكَ ضَعِيف، وإنَّهَا أَمانة، وإنَّها يوم القيامَة خِزْيٌ ونَدَامةٌ، إلاَّ من أخَذها بِحقِّها، وأدى الذي عليهِ فِيها" رواه مسلم.
الشرط الثالث:
أن يكون الإمام تقيا عدلا, ولا خلاف بين أهل العلم أن الإمامة لا يجوز أن تعقد لفاسق ، قال تعالى(وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُريَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ) وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختارون أفضلهم للخلافة, ولهذا كان ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل هو ترتيبهم في الخلافة, فأفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم, أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخليفة الأول, ثم عمر رضي الله عنه وهو الخليفة الثاني, ثم عثمان رضي الله عنه وهو الخليفة الثالث, ثم علي رضي الله عنه وهو الخليفة الرابع، وعن على رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال: "إن تؤمروا أبا بكر رضي الله عنه تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر رضي الله عنه تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا رضي الله عنه ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم" رواه أحمد وغيره.
وقد تضمن هذا الحديث العظيم طريقة اختيار الإمام من خلال الشورى، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إن تؤمروا"، وتضمن بعض الصفات التي تشترط في الإمام وأولها: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وهذه من صفات أئمة العدل الذين زهدوا في الدنيا وطهرت نفوسهم من طلب العلو في الأرض والتكبر على الخلق ومن حظوظ النفس وأطماعها، ورغبوا بما عند الله تعالى، ومن كان هذا وصفه فجدير به أن يقيم العدل ويحكم بين الناس بالحق بعد أن طهرت نفسه من الأهواء والأطماع الدنيوية التي تصد عن الحق، وقد قال تعالى: **يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ}.
و الثانية: أن يتصف بالأمانة وقد قال الله تعالى: **إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}، والأمانة تشمل القيام بالواجبات واجتناب المحرمات، ومن الأمانات الولاية على المسلمين فيجب النصح والإحسان فيها ويحرم الغشى فيها والخيانة، ومن الأمانات إسناد الوظائف والأعمال إلى أهلها، ومن الأمانات أداء الأموال إلى الرعية بعدل وإنصاف، ومن الأمانات المال العام فيجب حفظه وتجنب التعدي فيه وإضاعته والإسراف في إنفاقه أو إهماله والتفريط في حفظه وصيانته، ومن الأمانات أسرار الدولة وغيرها فيجب حفظها ويحرم إفشاؤها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.
الثالثة: أن يتصف بالقوة وألا يخاف في الله لومة اللائم، وقد تقدم الكلام فيها.
الرابعة: الهداية ، وهي تتضمن العلم والعمل بالعلم والدعوة إليه ، فيجب أن يكون الإمام عالما مجتهدا وأن يعمل بعلمه ، وأن يقود الأمة إلى الصراط المستقيم.
فإن الإمام التقي الناصح العادل هو المؤتمن على الإسلام والمسلمين ، وأما الفاسق الذي لم يتصف بالتقوى والعدل، ولا تقبل شهادته على اليسير من المال, فأنى لمثل هذا أن يكون أهلا لإقامة دين الله في الأرض والعدل بين الناس، وهو لم يقم العدل والصلاح في نفسه, وكيف يقيم الناس على الحق ويأطرهم عليه من كان مائلا عنه ومعرضا عن التمسك به.
و الناس تبع لولاة الأمر وهم العلماء والأمراء, فإذا صلح هذان الصنفان صلح الناس , وإذا فسدا فسد الناس, وفي صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم قال دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت فقالت: من أنت ؟ قال: امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين ؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت ؟ قال: إنك لسؤول أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية ؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم قالت: وما الأئمة ؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس",و في السنن الكبرى للبيهقي عن عمر رضي الله عنه قال عند موته: "اعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم", وعن زهير بن معاوية عن الأعمش قال - قال حذيفة: "إذا كان والي القوم خيرا منهم لم يزالوا في علياء، وإذا كان واليهم شرا منهم أو قال شرهم لم يزدادوا إلا سفالا"(1).
الشرط الرابع:
أن يكون الخليفة من صميم قريش، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" رواه البخاري.
الشرط الخامس:
أن يكون الإمام حرا.
الشرط السادس:
أن يكون مسلما, فإن الله تعالى قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين, فلا ولاية لكافر على مسلم.
الشرط السابع:
أن يكون ذكرا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري.
الشرط الثامن:
أن يكون سليم الأعضاء, ليس مصابا بالزمانة أو العمى أو نحوه ، لقول الله تعالى: **إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ}.
الشرط التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا.
فصل: في اختيار الإمام
يتم اختيار الإمام عن طريقين أولهما: أن يختار أهل الحل والعقد للإمامة العامة أفضل من توفرت فيه الشروط الشرعية للإمامة, والطريق الثاني: أن يستخلف الإمام أفضل من توفرت فيه الشروط للإمامة بعده ويشاور في هذا أهل الحل والعقد، وفي حالة النزاع في أحقية من استخلفه الإمام بعده فيفصل النزاع بشرع الله تعالى لعموم قوله تعالى: **فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، قال القاضي أبو يعلى رحمه الله "و الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل الحل والعقد، والثاني: بعهد الإمام من قبل، فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد"، وقال: "وإذا اجتمع أهل الحل والعقد على الاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجود فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا, وأكملهم شروطا، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عليه, فإن أجاب إليها بايعوه عليها, وانعقدت له الإمامة ببيعتهم ولزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته, وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها وعدل إلى من سواه من مستحقيها فبويع عليها "(1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنّة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بُويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً... فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكاًًًً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكاً بذلك... وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما، سواء كان ذلك جائزا أو غير جائز...
ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه (يعني أبا بكر رضي الله عنه) وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماما بذلك، وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة، لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك... فمن قال إنه يصير إماماً بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط "(1).
وقال ابن خلدون رحمه الله: "اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين... ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة"(2).
ويبايع الإمام على إقامة شرع الله تعالى والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ولا يجوز أن يقصد المبايع عرضا من الدنيا: إن أعطي مقصوده رضي، وإن لم يعط سخط ولم يف بالبيعة وغدر بالإمام،وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنياه إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يعط بها"أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.
ولا تحدد الإمامة الكبرى بمدة, فمن بويع بالإمامة الكبرى يبقى على إمامته للمسلمين حتى الوفاة أو العزل, وسيأتي بيان ما يعزل به الإمام.
حكم الانتخابات العامة:
من القواعد الأساسية في النظام الديمقراطي اختيار رئيس البلاد، وأعضاء البرلمان عن طريق الانتخابات العامة, وهذا المسلك في الاختيار من مسالك وسبل الكافرين التي لا تجوز نسبتها لدين الإسلام, والأدلة على تحريم الانتخابات العامة ما يلي:
أولا:أن الحاكمية في الإسلام لله تعالى، وليست للشعب أو غيره , و إنما الواجب على الشعب الانقياد لأمر الله وحكمه, كما قال تعالى: **وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}, وقال تعالى: **وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً}.[1]
ثانيا:أن إبطال الشروط الشرعية الواجب توفرها في الإمام أو أعضاء الشورى, وإبطال الطريقة الشرعية في الاختيار, واستبدالها بالانتخابات الديمقراطية هو من التحاكم إلى الطاغوت وتبديل حكم الله تعالى, وقد قال تعالى: **أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}.
ثالثا:أن مقصود الإمامة إقامة شريعة الله تعالى في جميع شؤون الحياة, وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله, ولتحقيق المقصود من الإمامة جاءت الشريعة بالشروط الواجب توفرها بالإمام كالعدالة والعلم والشجاعة وغيرها من الشروط, وعمل أهل الحل والعقد في هذه الحالة هو اختيار أفضل من توفرت فيه شروط الإمامة، فعملهم يشبه عمل القضاة في مجلس القضاء، فيتبعون العدل والحق في الاختيار ولا يتبعون أهواءهم.
و أما الانتخابات العامة فهي قائمة على أهواء الناس وشهواتهم, فأكثر الناس إنما ينتخبون من يحقق أهواءهم دون التفات منهم إلى شروط الإمامة, والله تعالى أمرنا باتباع أمره، وأن لا نتبع أهواء الناس, فقال تعالى: **وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.
وقال تعالى: **وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
وقال تعالى: **ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ}.
وقال تعالى: **بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ. مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.
رابعا:أن الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته كما قال تعالى: **وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}, وشروط الإمامة في الشريعة جاءت لتحقيق هذه الغاية, وأما الانتخابات الديمقراطية العامة فتلغي هذه الشروط ويتم الاختيار بحسب أهواء الناس كما تقدم, وفي هذا مضادة لله تعالى في أمره وعبوديته التي خلق الخلق لأجلها.
خامسا:لقد بين الله تعالى أن الأغلبية من الناس لا تتمسك بطاعته، ولا ترغب في شريعته وحكمه، بل تبتغي حكم الجاهلية، كما قال تعالى: **وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
وقال تعالى: **إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
وقال تعالى: **كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ. ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}, وغيرها من الآيات التي تدل على تنكب أكثر الناس عن شرع الله وميلهم عن صراطه المستقيم, فكيف يعلق مصير حكم الله في الأرض بهذه الأكثرية، التي تبتغي حكم الجاهلية وتعرض عن حكم الله تعالى.
سادساً:أن الإسلام لا يسوي في الدنيا ولا في الآخرة بين العالم والجاهل, والمسلم والكافر, والصالح والفاسق, وأما النظام الانتخابي الديمقراطي فيسوي بين جميع هؤلاء في حق التصويت والترشيح في الانتخابات, وقد قال الله تعالى: **أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
وقال تعالى: **أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
وقال تعالى: **أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ}.
وقال تعالى: **وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّار}.
وقال تعالى: **أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
وقال تعالى: **أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}, وغيرها من الآيات.
سابعا:أن مبدأ الانتخابات العامة قد لبس على كثير من الناس مفهوم الشرعية, فأصبح الكثير منهم يرى أن الشرعية تستمد من أغلبية الناس، وليس من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الضلال في مفهوم الشرعية الذي وقع فيه الكثير هو بسبب الشرك بالديمقراطية والتحاكم إليها.
ثامنا:قال الله تعالى: **أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَق كَارِهُونَ. وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}،فتدل الآيتان على أن أكثرية الناس يكرهون الحق، فكيف تجعل هذه الأكثرية الكارهة للحق هي المرجع في اختيار الإمام، الذي يقيم دولة الإسلام.
وتدلان على أن الأكثرية يتبعون أهواءهم، وهذا هو واقع الانتخابات العامة، فإنها قائمة على أهواء الناس ورغباتهم وشهواتهم.
وتدلان على أن الحق لو اتبع أهواء الناس لفسد العالم، وفسدت الدولة الإسلامية وعمها الاضطراب والفوضى.
وتدلان على أن الرجوع إلى أهواء الأكثرية في الانتخابات العامة هو من الإفساد في الأرض، وليس من الإصلاح.
وتدلان على أن الأكثرية معرضة عن القرآن، فكيف يرجى من هذه الأغلبية المعرضة عن كتاب الله أن تعدل بعدل القرآن، وتحكم بحكمه في اختيار الإمام العام، وأن تختار من يقودها بكتاب الله.
تاسعا:قال الله تعالى: **وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ.أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ. وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}, أخرج ابن جرير عن عكرمة وعن مجاهد في قوله تعالى: **زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}قالا: " تزيين الباطل بالألسنة ", وقال ابن جرير رحمه الله " وأما الغرور: فإنه ما غرّ الإنسان فخدعه فصده عن الصواب إلى الخطأ ومن الحقّ إلى الباطل", فهؤلاء الشياطين أعداء الأنبياء يوحي بعضهم إلى بعض الأقوال المزخرفة المزينة: كالديمقراطية والانتخابات والحرية ونحوها, وتذاع هذه الأقوال المزخرفة ويروج لها ويُدعى الناس إليها في وسائل الإعلام وفي الهيئات والمحافل والجامعات والمدارس وغيرها, ويغتر بزخرفها وينخدع ببريقها والضجة التي حولها من لا يؤمن بالآخرة، فيصغي إليها ويرضى بها عقيدة له, ويقترف ما يقترف من الذنوب بسب هذا الإصغاء والميل إليها واتخاذها سبيلا ومنهجا.
وهذا حال من زاغوا إلى الديمقراطية، فأول أوصافهم أن هؤلاء الديمقراطيين الذين لا يؤمنون بالآخرة قد صغت أفئدتهم ومالت إلى دعاة الديمقراطية وإلى أقوالهم المزخرفة, وأما وصفهم الثاني فهو رضاهم بالديمقراطية عقيدة ومنهجا, والوصف الثالث أنهم يقترفون من الكفر والآثام ما هم مقترفون بسب إصغائهم للأقوال المزخرفة والرضا بها, كما قال تعالى: **وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}.
فهجروا كتاب الله تعالى وأعرضوا عنه، واتبعوا الأقوال المزخرفة المضللة, فلهم نصيب من قوله تعالى: **وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}، وقوله تعالى: **وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً. يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً. لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً}.
وقوله: **أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً}, أي قل: أغير الله تبارك وتعالى أبتغي وأطلب حكما أتحاكم إليه وأنقاد لحكمه, فإن غير الله ليس لهم الحكم والتشريع، بل الواجب على العباد الانقياد لأمر الله وحكمه.
ثم قال تعالى: **وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً}, وقد فصل الله تعالى فيه جميع الأحكام في سائر شؤون الحياة, كما قال تعالى: **وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ}, وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: "إن الله أنزل في هذا الكتاب تبيانا لكل شيء، ولقد عملنا بعضا مما بين لنا في القرآن، ثم تلا: **وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ}، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من أراد العلم فليقرأ القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله" أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، ومن الأحكام المفصلة المبينة في شرع الله تعالى الطريقة الشرعية في اختيار الإمام العام وأهل الشورى:
ثم بين الله تعالى أن أحكامه كلها عدل، فقال تعالى: **وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}, أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام, وكل ما خالف شرع الله تعالى فهو ظلم, ومن العدل الذي جاءت به الشريعة الإسلامية أن لا يسوى المسلم بالكافر, والصالح بالفاسق في الشهادة أو في اختيار الإمام وغيرها, وأما الديمقراطيون الظالمون فيسوون بين الجميع في اختيار الحاكم.
ثم قال: **وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}, وهذا إبطال للانتخابات العامة, فإن أغلب الناس لو أطاعهم المؤمن لأضلوه عن سبيل الله, فكيف تجعل هذه الأغلبية الضالة المضلة عن سبيل الله المرجع في اختيار أولى الناس بالإمامة العامة.
فصل: في عزل الإمام
إذا طرأ على الحاكم الكفر البواح الظاهر الذي دل الكتاب والسنة على أنه من الكفر البواح، فقد خرج عن الإمامة، ويجب في هذه الحالة عزل الحاكم والخروج عليه بالقوة عند وجود القدرة، كما في حديث عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضي اللَّه عنه قال: "بايعنا رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على السَّمعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ وَاليُسْرِ والمَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وَعلى أَثَرَةٍ عَليْنَا، وعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدكُمْ مِنَ اللَّه تعالَى فيه بُرهانٌ، وعلى أن نقول بالحقِّ أينَما كُنَّا، لا نخافُ في اللَّه لَوْمةَ لائمٍ "متفقٌ عليه، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها "(1)، وقال الإمام النووي رحمه الله: "قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: كذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها"(2). وقال الإمام ابن كثير رحمه الله عند قول الله تعالى: **أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}, " ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: **أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، **وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء"(1).
والكفر البواح هو البين الواضح كتحكيم غير شرع الله في البلاد أو التحاكم لغير شرع الله كالقوانين أو الهيئات كهيئة الأمم المتحدة ونحوها، أو التشريع وسن القوانين، أو موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين أو ترك الصلاة أو صرف العبادة لغير الله كدعاء الأموات والاستغاثة بهم أو غيرها من نواقض الإسلام التي إذا فعلها الحاكم فقد ارتكب كفرا بواحا مما يوجب الحكم بردته وخلعه والخروج عليه.
فإذا لم توجد القدرة على خلعه بالقوة فالواجب أن يبين للناس بطلان ولايته على المسلمين وأن لا يطاع، ولا يعاون بما يدعم ويقوي حكومته المتسلطة على المسلمين، وأن يسعى المسلمون في حالة العجز عن قتاله إلى إعداد العدة حتى تحصل القدرة على جهاده وعزله بالقوة، وقد قال تعالى: **فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}, وقال تعالى: **وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّة}، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(2).
وأما إذا طرأ على الإمام العام الفسق فلا يجوز الخروج عليه بالقوة ، التي قد يترتب عليها من المفاسد والمنكرات والفتن ما هو أعظم من المنكر الذي قصد إزالته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من كره من أميره شيئا فليصبر, فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية" متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها"قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم"متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم, وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم"قالوا قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة"رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة"رواه مسلم، وترك الخروج عليه لا يعني السكوت عن فسقه وما يرتكبه من منكرات, بل الواجب نصحه والإنكار عليه ومحاسبته ومحاكمته, وألا يطاع ولا يعاون في معصية الله تعالى، وقد تقدم الكلام في هذا.
وإذا أمكن عزل الإمام الذي طرأ عليه الفسق دون وقوع قتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم من مفسدة إبقائه ففي هذه الحالة يجب أن يعزل, ويولى على المسلمين أفضل من توفرت فيه الشروط الشرعية, قال الحافظ ابن حجر رخمه الله: "ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر"(1)، ويرجح هذا القول ما يلي:
أولا:أن النصوص الشرعية العامة أوجبت الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب القدرة والاستطاعة، وقد أخبر الله تعالى عن شعيب عليه الصلاة والسلام أنه قال: **إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}, وقال تعالى: **فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}, وعن أَبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي اللَّه عنه قال: سمِعْتُ رسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنْكراً فَلْيغيِّرْهُ بِيَدهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطعْ فبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلبهِ، وَذَلَكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ" رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب"رواه أبو داود, وفسق الحاكم من المنكرات الكبيرة التي تؤدي إلى انتشار الفساد والظلم في الأمة, فإذا وجدت القدرة على إزالة هذا المنكر المتمثل بولاية الفاسق فيجب أن يعزل لعموم الأدلة.
ثانيا:أن في عزل الإمام الفاسق وتعيين الإمام العادل دون حدوث فتنة وإراقة دماء, مصلحة كبيرة لا تأتي الشريعة بإلغائها, وتوجب ترك الحاكم الفاسق إماما عاما للمسلمين, مع ما يترتب على بقائه من المفاسد العظيمة, قال القرطبي رحمه الله: "الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد، فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره, وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها، فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله, ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله "(1), وسواء قصد القرطبي رحمه الله بكلامه خلع الحاكم الفاسق بالخروج عليه بالقوة والقتال أو قصد خلعه بدون قتال ومفسدة أعظم, فليس هذا هو المقصود من نقل كلامه, وإنما محل الشاهد من كلامه والمقصود منه هو قوله: "فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الأبتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله", وما قاله حق فإن عزل الحاكم الذي طرأ عليه الفسق هو وفق القياس وجاري مع الأصل الذي منع لأجله الفاسق من تولي الإمامة ابتداءً.
ثالثا:أن من المعلوم في الشريعة الإسلامية أن الولاة والوزراء والقضاة إذا ظهر من أحدهم الفسق والخيانة مع وجود الأولى فإنه يعزل تحقيقا للمصلحة والعدل ودرءاً للفساد والظلم, فإذا كان عزل هؤلاء واجبا فكذلك الإمام العام يعزل لفسقه من باب أولى, فإن المفسدة ببقائه أعظم من مفسدة إبقاء غيره من الولاة الذين ظهر عليهم الفسق.
رابعا:أن الفسق قد يتدرج بالحاكم إلى الاستبداد بالأمر وتعيين الموالين له في قيادة الجيش والولايات حتى لا يقدر أحد على محاسبته ومحاكمته، ثم يرتكب بعد ذلك هو ومن معه أنواعا من الفساد والظلم وربما الكفر، كما قد وقع في بعض الحالات، ولا يستطيع المسلمون بعد ذلك عزله لعدم القدرة، فإذا كان الفسق قد يتدرج بالحاكم إلى الظلم العظيم والكفر فينبغي سد الذريعة الموصلة إلى الكفر وحسم الشر في أوله بعزل الحاكم الفاسق مع القدرة، وتعيين إمام عادل.
خامسا: من القواعد الشرعية " أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " فإذا كان في بقاء الحاكم الفاسق تركا للواجبات وفعلا للمحرمات وقد أمكن عزله دون مفسدة فيجب أن يعزل. [2]
سادسا:أن من منع الخروج بالقوة على الحاكم الفاسق قد علل المنع بحصول مفسدة أعظم من المفسدة التي يراد إنكارها، وهذه العلة منتفية مع العزل بالفسق دون حدوث فتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم, والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
و يكون عزل الحاكم الفاسق ممكنا إذا كان ولاء الولاة والوزراء والقضاة والقادة والجنود لله تبارك وتعالى ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: **إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}ففي هذه الحالة لن يستطيع الإمام الذي طرأ عليه الفسق الممانعة والاحتماء بالجند وغيرهم.
وهذا الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين من أعظم الواجبات التي يجب أن يرسخها العلماء والقادة وغيرهم في الأمة، ويأتي في باب سياسات احترازية زيادة تفصيل.
باب: الجهاد والإعداد
فصل: الجهاد في سبيل الله
لقد خلق الله تعالى الخلق لغاية واحدة، وهي عبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: **وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، وختم الرسالات بدين الإسلام, الذي لا يقبل من أحد سواه, كما قال تعالى: **إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، وقال تعالى: **وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}، فالخلق خلق الله تعالى وعبيده, والأرض أرض الله, كما قال الله تعالى: **قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، وقال تعالى **وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}, وليست الأرض ملكا وحقاً للطواغيت الذين يتسلطون على قطعة من الأرض هنا أو هناك, ويستعبدون أهلها.
فقارة أمريكا الشمالية مثلا, أو قارة أمريكا الجنوبية, أو غيرها من القارات هي أرض لله تعالى الذي له ملك السماوات والأرض, ومن يسكن في هذه القارات من الناس هم خلق الله تعالى, خلقهم لعبادته وحده لا شريك له, ولم يخلقهم لتستعبدهم الأحزاب السياسية الكافرة, فإذا تيقن المسلم بهذا الأصل من أصول الاعتقاد تبين له نعمة الله تعالى على العباد, ورحمته بهم إذ شرع جهاد الطلب وهو قتال الكفار في قعر دارهم لتكون كلمة الله هي العليا, وتحرر الأرض من استيلاء الطواغيت عليها, ويحرر الناس من العبودية لغير الله تعالى.
وقد دل على جهاد الطلب, وابتداء الكفار بالقتال, الكتاب والسنة والإجماع, فأما الكتاب, فقال الله تعالى: **وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ}, وقال تعالى: **قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}, وغيرها من الآيات, وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى" رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم"رواه أحمد, وغيرها من الأحاديث, وقد أجمع علماء الأمة على جهاد الطلب, وهو من أظهر الإجماعات وأبينها.
فقد تواترت على جهاد الطلب نصوص الكتاب والسنة ودلت عليه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته, كما دلت عليه أقوال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم وجهادهم وفتوحاتهم, ومضى على هذا من اتبعهم بإحسان إلى يومنا هذا, فمن تدبر أقوال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم, وغزواتهم وفتوحاتهم,, وتدبر آثار فتوحاتهم التي لا تزال باقية وشاهدة إلى اليوم, ودخول الناس في دين الله أفواجا من أطراف الصين إلى المغرب, حصل له بمجموع ذلك علم ضروري أن هذا الإجماع من أبين الإجماعات وأظهرها, قال ابن النحاس رحمه الله: "اعلم أن جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية باتفاق العلماء. وحكي عن ابن المسيب وابن شبرمة أنه فرض عين"(1).
و قال الشربيني رحمه الله: "( فللكفار حالان أحدهما يكونون ببلادهم ) مستقرين بها غير قاصدين شيئا من بلاد المسلمين ( ففرض كفاية ) كما دل عليه سير الخلفاء الراشدين وحكا القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع"(1)، ونقل ابن عطية رحمه الله الإجماع في كتابه المحرر الوجيز.
فكل من قرأ من صغار المسلمين أو كبارهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, وسيرة الصحابة رضي الله عنهم, وجهادهم وفتوحاتهم, تيقن بداهة أن جهادهم لإقامة دين الله في الأرض وإبلاغ الدعوة للناس, ولا يتبادر إلى ذهن أحدهم عندما يقرأ في فتوحات الأندلس مثلا, أن المسلمين فتحوها دفاعا عن دولة الإسلام, لأن ساكنيها كانوا يشكلون خطرا وتهديدا للدولة الإسلامية, ولو تحاشى ساكنوها تهديد المسلمين ودولتهم لما فتحها المسلمون.
فجهاد الطلب من الأمور الواضحة البينة, ومن المقررات عند علماء المسلمين وعوامهم, وقد مضى المسلمون على هذا, حتى أظهر في زماننا بعض المهزومين المبتدعة القول بإنكار جهاد الطلب وأن الجهاد في الإسلام إنما هو جهاد دفع فقط, وخالفوا بهذا كتاب الله تعالى, وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, والإجماع, واتبعوا المتشابه وحرفوا الكلم عن مواضعه وافتروا على الله الكذب وأنكروا فريضة من فرائض الله, وجعلوا لله شركاء في أرضه وخلقه, فغاية قولهم أن طواغيت الكفار وأحزابهم السياسية من حقهم أن يتسلطوا على أجزاء من أرض الله ويحكموا فيها, ومن حقهم أن يستعبدوا الشعوب التي تحت تسلطهم وقهرهم, كقول الذين قال الله تعالى عنهم: **وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}، فتأمل قوله تعالى **مِمَّا ذَرَأَ}، أي مما خلق، فهو تبارك وتعالى خالق كل شيء، والمشركون يجعلون له من خلقه جزءا،كما قال تعالى **وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}.
وقد زل أيضا في هذا القول المنكر, والفرية العظيمة بعض أهل العلم الذين يظن فيهم الخير والدعوة إلى الحق حين استمعوا إلى شبهات المهزومين المفترين, وأعرضوا عن الكتاب والسنة والإجماع, فحصل لهم الضلال بحسب إعراضهم.
وأما حكم جهاد الطلب فهو فرض كفاية يفعل بحسب القدرة والإمكان, وقد قال الله تعالى: **فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}, ومن فرض الكفاية تحصين الثغور وحمايتها, بمن تحصل بهم الكفاية من الجنود.
و أما الحالات التي يتعين فيها الجهاد فهي ثلاث حالات:
أولها:إذا استنفر الإمام فردا أو جماعة, فيجب على من استنفره أن ينفر للجهاد لقول الله تعالى: **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ. إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
و قال صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" رواه البخاري ومسلم.
و الثانية:إذا حضر المسلم في الصف للقتال, وقد قال الله تعالى: **يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ. وَمَن يُوَلهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرفاً لقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ منَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}.
و الثالثة:أن يعتدي الكفار على بلد من بلاد المسلمين, ففي هذه الحالة يتعين الجهاد بالإجماع, وهو من أعظم الواجبات وآكدها وهو جهاد الدفع, فيجب الجهاد على أهل البلد التي اعتدى عليها الكفار أو المرتدون, ويتوسع الوجوب على الأقرب فالأقرب, حتى تحصل الكفاية ويدفع العدو, فإن بلاد المسلمين بمنزلة الأرض الواحدة, فلا عبرة في زمانا هذا بالحدود المصطنعة في بلاد المسلمين التي اختطها الصليبيون المستعمرون وعملاؤهم لتمزيق الأمة وإضعافها, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية " وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان " وقال: "وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم"(1), وقال ابن عبد البر رحمه الله: "فرض عام متعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار، وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محاربا لهم، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا وشبابا وشيوخا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج اليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها، واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه"(2).
والجهاد في وقتنا في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها هو من جهاد الدفع، وهو من آكد الواجبات وأعظمها، فيجب على أهل البلد التي اعتدى عليها الكفار أن يجاهدوا المعتدين ويدفعوهم ويتوسع الوجوب على الأقرب فالأقرب ممن حولهم من المسلمين.
ومن أخطر أنواع العدوان التي تواجهها الأمة في وقتنا هذا الحملة الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة التي احتلت أفغانستان والعراق، وهي راغبة في المزيد من العدوان على المسلمين في دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأراضيهم، وكل من عرف حقيقة هذه الحملة يعلم أن أهدافها تتجاوز العراق فهي تستهدف فرض الكفر على الأمة من خلال مشروعها المسمى " بالشرق الأوسط الكبير"، واستباحة بلاد المسلمين ونهب خيراتها ونفطها، وهي ساعية إلى تحقيق أهدافها بالترهيب العسكري والترهيب الإقتصادي والترهيب الإعلامي، إلا أن مخططات الصليبين أصيبت بنكسة عظيمة في العراق بفضل الله تعالى حيث قام لجهادهم ولدفعهم المجاهدون الصادقون الذين تصدوا لعدوانهم وألحقوا بهم هزائم وخسائر كبيرة.
فالجهاد في العراق فرصة تاريخية عظيمة يجب على المجاهدين وأهل العلم الصادقين انتهازها والظفر بها، فإن هزيمة الصليبيين في العراق لها آثارها الكبيرة والتاريخية على المنطقة والأمة كلها، ومنها إيقاف الزحف الصليبي الشامل الذي يهدف إلى اكتساح الأمة واستباحتها، ومنها طردهم من العراق وتطهيره من رجسهم وكفرهم، ومنها إقامة دولة الإسلام في بلاد الرافدين، ومنها أن هزيمة الصليبيين في العراق لها تداعياتها الكبيرة وآثارها العظيمة في نصرة المسلمين المجاهدين في فلسطين وأفغانستان، فمن أمضوا العقود في التحسر على فلسطين والمسجد الأقصى، والعجز عن الوصول إلى الأرض المباركة فها هي الفرصة قد حانت، فالصهاينة من النصارى البروستانت واليهود بمتناول اليد في بلاد الرافدين، فهاهم دونكم فخذوهم واحصروهم وأكثروا فيهم من التقتيل والإثخان.
ومنها أن الشبكة من الدويلات العميلة التي أسسها الصليبيون من خلال اتفاقية "سايكس بيكو " ومثيلاتها لحماية أطماعهم وأهدافهم في المنطقة، وحماية دولة اليهود في فلسطين وحفظ حدودها من أي محاولة للدفاع عن الأقصى ونصرة المسلمين المستضعفين، سوف تهتز أنظمتها الحاكمة هزة عظيمة بإذن الله تعالى إذا رأوا آمرتهم وحاميتهم الولايات المتحدة قد هزمت هزيمة ساحقة ومدمرة على أرض رافدين، واهتزاز هذه الدويلات ضرورة لكسر طوق الحماية حول دولة اليهود في فلسطين، ونصرة المسلمين هناك، وربما كانت تلك الهزة بإذن الله البداية التاريخية لزوال هذه الدويلات العميلة أو بالأحرى المستعمرات التي أصبحت قواعد انطلاق للحملة الصليبية على الإسلام والمسلمين.
إن تاريخ الأمة خط بهدي الإسلام وبدماء المجاهدين والشهداء، ولو كان الإسلام مجرد كلمات حق تقال دون قوة تحمي كلمة الحق وتنصرها لما قامت للإسلام دولة، بل الإسلام دين واقعي قد جمع بين الكتاب الهادي والجهاد الذي ينصر شريعة الكتاب، فهذه حقيقة يجب أن يدركها كل مسلم فعندما تكون عالما أو طبيبا أو مهندسا لا يمكن أن تبني حضارة إن لم تكن قبل ذلك مسلما صادقا مجاهدا، عندها فقط تستطيع أن تقيم دولة وتبني حضارة إذا كنت مجاهدا عالما أو مجاهدا طبيبا أو مجاهدا مهندسا، فإذا كان المسلمون يجاهدون في سبيل الله وفيهم العالم والطبيب والمهندس وغيرهم من أهل الاختصاص بعد ذلك فقط يقيمون دولة الإسلام ويبنون حضارة حقيقية، لأنهم بجهادهم في سبيل الله يحمون دولتهم وحضارتهم، وأما بدون الجهاد في سبيل الله فسوف يتخطفهم الأعداء، ويحكمون بلادهم، ويتداعون عليهم من كل صوب، ويستبيحون نفطهم ومعادنهم وخيراتهم.
والواجب على المجاهدين وعموم المسلمين أن يستبينوا سبيل المجرمين الصليبيين، وأن يعرفوا أساليبهم في المكر بالشعوب وتطويعها والسيطرة عليها واستباحة خيراتها، وهي أساليب مكررة استخدمها البريطانيون وغيرهم من المستعمرين في الماضي، ويستخدمها الآن الصليبيون من الأمريكان والبريطانيين وحلفائهم في أفغانستان والعراق وغيرها وقد قال صلى الله عليه وسلم "لايلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"متفق عليه.
فمن أساليب الغزاة المحتلين أن يستخدموا الشعارات المزخرفة المزينة المضللة: كالديمقراطية والحرية وغيرها كغطاء لأهدافهم الشريرة اللئيمة، وإجرامهم المبيت الدفين وقد قال تعالى: **قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، فيتوصلون من خلال صنيعتهم الديمقراطية إلى السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية على بلاد المسلمين.
ومن أساليبهم أن يستخدموا الديمقراطية لتمزيق الأمة وإضعافها من خلال الأحزاب اللادينية المرتبطة بالغزاة المحتلين، التي تنادي بالردة البواح والعصبية القومية المقيتة، فهذا الحزب ينادي بالاشتراكية بديلا عن الإسلام، وذاك ينادي بالشيوعية، والآخر ينادي بالديمقراطية، والرابع ينادي بالقومية، وهلم جرا من الشعارات والمسميات، التي أدت بالأمة إلى التمزق والتشرذم والضعف، وشتت صف المسلمين، وصدت عن الإيمان والجهاد في سبيل الله، وهي بهذا هيأت البلاد ومهدتها للاحتلال ثم تعاونت مع المحتلين في تضليل الناس وإشغالهم - بالديمقراطية وشعاراتها وانتخاباتها واستفتاءاتها العامة وغيرها من الضلالات وتوافه الأمور- عن واقع الاحتلال وخطره عن الأمة، وتبرر هذه الأحزاب جرائم المحتلين، وتقوم بالدعاية والترويج لبرامجهم وأهدافهم، وتدافع عن عملاء الاحتلال المرتدين من سياسيين أو إعلاميين أو عسكريين، وتشن حربا جائرة على كل مسلم يسعى لدفع الصليبيين وتطهير البلاد من كفرهم وخبثهم ثم بعد جلاء الاحتلال عن البلاد تتولى هذه الأحزاب مواصلة ما بدأه الغزاة.
ومن أساليب الغزاة أن يقدموا عملاءهم كوزراء ومسئولين ثم يوجهون في الخفاء من خلال المستشارين وغيرهم من اليهود والنصارى الذين يملون عليهم سياسة البلاد.
ومن أساليب الغزاة المستعمرين: أن يفرضوا على الشعب الذي تحت الاحتلال النظام اللاديني ( العلماني) بالقوة والقهر، وبعد أن يستقر النظام الذي ارتضوه وجاءوا به، يدعون الناس أن ينتخبوا رئيسا لهم من المرشحين الديمقراطيين بعد أن ضمنوا أن اختيار الشعب لن يخرج عن النظام العلماني الذي جاءوا به، وعن عملائهم المرشحين للرئاسة.
ومن أساليب الغزاة: أن يستخدموا الديمقراطية التي هي من أغلظ أنواع الكفر بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم لمحاربة المسلمين في دينهم الذي هو مصدر عزتهم وقوتهم، فتحت شعار الديمقراطية والحرية تفتح أبواب الكفر على مصراعيها، وتستباح الفواحش كالزنا واللواط والسحاق وما يسمونه بزواج المثليين وغيرها من القبائح والرذائل.
و من أساليب الغزاة المستعمرين أن يستخدموا الطوائف المعادية للأمة المتغلغلة في داخلها لتحقيق أهدافهم كالرافضة السبئية والنصيريين والدروز والنصارى كالموارنة والأقباط والأنظمة والأحزاب العميلة المرتدة ، ويستخدموا شعار حقوق الأقليات للتدخل في شؤون الآخرين.
ومن أساليب الغزاة الصليبين: أن يزجوا بعملائهم المرتدين في المواجهات والمعارك مع المجاهدين لتقليل الخسائر في صفوفهم ، فلا ضير عندهم أن تسيل دماء العملاء الرخيصة إذا كان هذا في حماية جنودهم.
و من أساليب المحتلين وأخطرها وأخفاها: أن الغزاة يستعدون لجميع الاحتمالات ومنها إخراجهم بالقوة من البلاد التي اغتصبوها، ولهذا فهم يستعدون لهذه المرحلة بمحاولة إبراز شخصيات تتوافق معهم عقائديا وفكريا، ويظهرونها في وسائل الإعلام كقيادات للمقاومة وللشعب، حتى يضمنوا قبول الكثير من الناس لها والتفافهم حولها، ثم يتفاوضون معها ويسلمونها السلطة في البلاد، وقد يذهبون إلى أبعد من هذا فيبحثون عن بعض المنافقين المندسين بين صفوف المجاهدين ليسلموهم البلاد بعد أن يضمنوا قيامهم بتحقيق أهدافهم ومحاربتهم للإسلام وغدرهم بالمجاهدين الصادقين.
والغزاة لهم من أساليب المكر والدهاء التي قد تنطلي على البعض لشق صف المجاهدين والتفريق بينهم، ومن ذلك أن يسموا البعض بالمقاومة أو بالمقاومة الوطنية ويسموا بقية المجاهدين بالإرهابيين حتى يستميلوا من يسمونهم بالمقاومة إليهم ويبعدوهم عن المجاهدين، وسوف يجدون من المذبذبين الخائفين من الوصف بالإرهاب من يستجيب لمكرهم ويرضى لنفسه أن يكون أضحوكة وألعوبة للصليبيين الغزاة.
ومن أساليب الصليبيين أن يسعوا لحصر المعركة في بلاد المسلمين، وهو ما يدعو إليه قائدهم جورج بوش، والواجب على المجاهدين ألا يقتصروا على جهاد الصليبيين في بلاد المسلمين فحسب، بل لا بد أيضا من جهادهم في دولهم ونقل المعركة إلى مدنهم، وهذا من أعظم ما يخشاه الصليبيون الذين اعتادوا حياة التنعم والمتعة، فلا يتحملون أن ينغص عليهم عيشهم، وأن يسيطر عليهم في تصرفاتهم وتقلباتهم اليومية الشعور بالرعب والخوف والترقب.
فنقل المعركة إلى أرض العدو، ومسهم بلظى الحرب في دارهم له آثاره الكبيرة والمزلزلة للأعداء التي تصيبهم في مناحي حياتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية والنفسية.
وعلى المجاهدين أن يجتهدوا في دعوة المسلمين إلى التوبة والاستقامة ، فإن الشدة والابتلاء تقرب الكثير من الناس في أرض الجهاد من الخير والصلاح، فيجب أن تكون دعوتهم أولا إلى توحيد الله تعالى واجتناب الشرك بأنواعه ومنها تحكيم غير شرع الله تعالى في البلاد، فإن من أهم الأمور أن يلتف المسلمون حول المجاهدين في السعي لإقامة شرع الله تعالى في الأرض حتى لا يجد المجاهدون أنفسهم بعد النصر على الأعداء دون مؤيدين وأنصار على إقامة دولة الإسلام، وحتى لا يخطف المرتدون ثمرة النصر ويقيموا حكومة كافرة بالله تعالى، وهذا يؤكد ضرورة نفير الكثير من أهل العلم إلى أرض الجهاد لا سيما في العراق لنصرة المسلمين ولدعوتهم وتبيين الحق لهم والدفاع عن قضيتهم.
فصل :الإعداد
لقد أمر الله تعالى بالإعداد للجهاد, والأخذ بجميع أساليب وأسباب القوة التي تخيف الأعداء وترهبهم وتردعهم, كما قال تعالى: **وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}, وقد جعل الله تعالى علة الحكم إرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين, فالعلة هي الإرهاب, والحكم وجوب إعداد القوة, والحكم يدور مع علته وجودا وعدما, أي أن كل ما يحصل به إرهاب الأعداء من أسباب القوة, فالأمة مأمورة بتحصيله, وهذا يختلف باختلاف الزمان, فكل زمان له ما يناسبه من الأسلحة, وأسباب القوة التي ترهب الأعداء.
فالحكم عام لعموم العلة, فيجب على الأمة أن تتخذ من الأسلحة, وأسباب القوة ما يرهب الأعداء ويخيفهم, كالرشاشات الصغيرة والكبيرة, والدبابات, والمدرعات, والطائرات, والسفن الحربية, وجميع الأسلحة البرية, والجوية, والبحرية, وكذلك الأسلحة النووية, والكيماوية, والجرثومية, لما فيها من إرهاب الأعداء, وردعهم عن العدوان على المسلمين بمثل هذه الأسلحة وغيرها, وقد بين تعالى في قوله: **تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}أن هذا الإرهاب موجه إلى أعداء الله وأعداء المسلمين من الكفار, وآخرين مختفين غير ظاهرين, وهم المنافقون, وليس موجها للمسلمين، كما يحاول الصليبيون وعملاؤهم المفترون أن يصوروه للناس في وسائل إعلامهم لغرض صد المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ونصرة المجاهدين, وإرهابهم بمصطلح الإرهاب.
والحق أن الأمة مقصرة في إعداد العدة الواجبة التي ترهب الأعداء, فلو كانت الأمة مرهوبة من أعدائها, لما استباحها الصليبيون واليهود وحلفاؤهم، وتداعوا من كل صوب على محاربتها واقتسام أراضيها, ونهب نفطها وخيراتها.
ومن وسائل الإعداد الواجبة التصنيع العسكري، وقد قال تعالى: **لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَينَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، فقوله تعالى: **وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}أي آلات الحرب والصناعات العسكرية بجميع أنواعها التي تصنع من الحديد، وقوله تعالى: **وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}أي سائر الصناعات النافعة من آلات وسيارات وأواني وغيرها، ثم قال تعالى: **وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ}، فأنزل الله تعالى الكتاب والحديد ابتلاءً للعباد حتى يتبين من ينصر الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام بالكتاب الهادي وبالسلاح الذي ينصر، فالكتاب يتضمن شرع الله والأوامر والنواهي، والجهاد يقيم شرع الله تعالى في الأرض وينصره، ولا تقوم دولة الإسلام إلا بالكتاب والجهاد، وهذا ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وسار عليه صحابته رضي الله عنهم من بعده، ومن أراد نصرة الإسلام بغير هذا الطريق فقد ضل سواء السبيل.
ومن الإعداد الواجب الإعداد الإيماني والتربوي بدعوة المسلمين إلى التوبة والإستقامة على طاعة الله تعالى، فإن المعاصي من أسباب الهزيمة كما قال الله تعالى: **أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ}كما يجب تحريض المسلمين على الجهاد، وطلب الاستشهاد في سبيل الله وتربيتهم على العزة والصبر والقوة والشدة على الكفار، كما قال تعالى: **فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً}، وقال تعالى **مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً منَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ منْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.
ومن الإعداد الواجب الإعداد البدني والتدريب العسكري لكل مسلم بالغ قادر حتى، يتعلم المسلم الرماية وفنون القتال واستعمال الأسلحة، فعنعُقْبةُ بنِ عامِرٍ الجُهَنيِّ، رضي اللَّه عَنْهُ، قال: سمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُوَ عَلى المِنْبرِ، يقولُ: "وَأَعِدُّوا لهُم ما استَطَعْتُم من قُوَّةٍ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ"رواه مسلم.
وعن عقبة بن عامر الجُهَنيِّ، رضي الله عنه قال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم "منْ عُلِّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تركَهُ، فَلَيس مِنَّا، أوْ فقَد عَصى"رواه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير وكانا يرميان فقال أحدهما لصاحبه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "كل شيء ليس من ذكرالله فهو لهو ولعب إلا أربع: ملاعبة الرجل امرأ ته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة"رواه النسائي. و" الغرضين" أي الهدفين.
وقال صلى الله عليه وسلم "عليكم بالرمي فإنه خير أو من خير لعبكم"رواه البزار والطبراني في الأوسط وقال "فإنه من خير لعبكم".
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناده إلى رافع بن سالم الهزاني قال: مر عمر بن الخطاب بنا فقال: "ارموا فإن الرمي عدة وجلادة".
وقال بلال بن سعد رحمه الله: أدركتهم يشتدون بين الأغراض ويضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانوا رهبانا " أخرجه ابن مبارك في الزهد وغيره.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال "سابق النبي صلى الله عليه وسلم بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق" متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي صلى الله في سفر قالت فسابقته فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال "هذه بتلك السبقة"رواه أبو داود وغيره.
وينبغي للحكومة الإسلامية أن توجه الرياضة إلى تحقيق المقاصد الشرعية العالية كما قال صلى الله عليه وسلم "إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها"رواه الحاكم وغيره، فيربى رجال الأمة على أن الرياضة من وسائل إعداد المجاهدين في سبيل الله الذين يحملون رسالة الإسلام، ويدافعون عن الإسلام والمسلمين، وليست كالرياضة في الحكومات الجاهلية التي جعلتها أداة للهزل واللعب والغفلة وإضاعة الأموال والأوقات.
فقد استخدم أعداء الإسلام اللاعبين والمفسدين من المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات وغيرهم، كأداة لإبعاد الناس عن التمسك بدينهم وإشغالهم بالمعاصي والموبقات وبتوافه الأمور وسفسافها، ويروجون في وسائل إعلامهم لهؤلاء المفسدين ويقدمونهم للناس كأبطال ونجوم وغيرها من الأقوال والأوصاف المزخرفة المضللة، لترسيخ الإعراض عن الإسلام والغفلة في المجتمع، وبهذا يحسب الطواغيت وأعوانهم أنهم قد أمنوا حكمهم من الزوال، وأن الجموع الغافلة طيعة وسهلة الإنقياد لهم.
والحكومة الإسلامية لا يجوز لها إضاعة المال العام في الرياضة التي الغرض منها مجرد اللعب وإضاعة الأوقات، وإنما عليها أن توجه الرعية إلى الرياضة النافعة التي تربي جيلا جادا صالحا مجاهدا.
ومع التوجيه الصحيح للرياضة فلا بأس أن يتخللها بعض اللعب المباح الذي تميل إليه بعض النفوس ولا يشغل عن طاعة الله تعالى ولا يحصل به إضاعة للمال العام، فإن هذا من السياسة الشرعية التي تراعي تفاوت الناس، وجاءت بما فيه تسكينهم وبما يقربهم من الصلاح.
والكلام الذي تقدم عن الرياضة هو متعلق بسياسة الحكومة الإسلامية، وأما أفراد الرعية فمن مارس منهم لعبا مباحا ولم ينشغل به عن طاعة الله فلا إنكار عليه.
فصل: الأخلاق والآداب في الجهاد
وفي هذا الفصل تذكر بعض الأخلاق والآداب في الجهاد على سبيل الاختصار.
و أولها: الإحسان إلى الكفار الذين لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم:
لقد نهى الله تعالى المسلم عن مولاة الكفار ومودتهم فقال تعالى: **يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}،فقوله تعالى: **وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}أي كافر مثلهم: كالذين يعاونون الصليبين ويظاهرونهم على المسلمين في العراق أو أفغانستان أو غيرها، وقال تعالى: **تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، فدلت الآيتان على انتفاء الإيمان عن الذين يوالون الكفار كالأمريكان وغيرهم، فانتفاء الشرط يدل على انتفاء المشروط وهو الإيمان. [3]
وقال تعالى في تحريم مودتهم **لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ منْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}،وأجاز الله تعالى للمسلم أن يحسن إلى الكفار من أقاربه أو غيرهم ويصلهم إذا لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم، فقال تعالى **لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}، قال ابن جرير: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم لأن الله عز وجل عم بقوله الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضا دون بعض ولا معنى لقول من قال ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولانسب غير محرم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح"(1)، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء قالت: قدمت علي أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبةٌ، أفأصل أمي؟ قال: "نعم صلي أمك"متفق عليه، وقال ابن القيم رحمه الله: "فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة"(1).
وقال تعالى في بر المسلم لأبويه الكافرين: **وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: "بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فيها فَشَربَ، ثُمَّ خرج فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فقال الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه".قَالُوا: يا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً فَقَالَ: "في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ" متفقٌ عليه. والكبد الرطبة أي الحية كالحيوان، ويدخل في عموم الحديث الكافر الذمي والمعاهد والأسير كما قال تعالى **وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}.
الثاني: حكم قتل نساء الكفار المحاربين وأطفالهم وشيوخهم:
لا يجوز في الإسلام قتل نساء الكفار المحاربين أو أطفالهم أو شيوخهم قصدا، وكذا لا يجوز قتل الزمن أو الأعمى أو المعتوه أو الراهب الذي يعتزل أهل دينه في صومعته، ولا يعينهم على المسلمين، ولذا فلا يعرف بفضل الله تعالى في تاريخ المسلمين المجاهدين، وفي الفتوحات الإسلامية أن ارتكبت إبادات جماعية في حق نساء الكفار المحاربين وأطفالهم وشيوخهم، وأما الصليبيون واليهود فتاريخهم مليء بالجرائم والإبادات الجماعية إلى وقتنا هذا، كما في أفغانستان والبوسنة وكوسوفا وفلسطين والشيشان والعراق وغيرها، وقد قال تعالى: **وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}، وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن يحيى بن يحيى الغساني قال كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن هذه الآية: **وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}فكتب إلي أن ذلك في النساء والذرية من لم ينصب لك الحرب منهم"، وقال الإمام ابن كثير رحمه الله" وقوله **وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}أي قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحسن البصري من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم والرهبان وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم "(1)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما" أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر قتل النساء والصبيان " متفق عليه، وعن رباح بن ربيع قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا، فقال: "انظر علام اجتمع هؤلاء؟"فجاء فقال على امرأة قتيل فقال: "ما كانت هذه لتقاتل"قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال قل لخالد "لا يقتلن امرأة ولا عسيفا"رواه أبو داود وغيره.
وعن بريدة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا".أخرجه مسلم.وفيه النهي عن الغلول، وحرمة الغدر ونقض العهد، وتحريم التمثيل بالقتيل بتشويهه كقطع أطرافه أو جدع أنفه أو أذنه وهو ما يفعله الصليبيون الأمريكان والروس وغيرهم، والوليد المنهي عن قتله هو الصبي الذي لم يبلغ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال "اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع"رواه أحمد، وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون الاسكندراني ثنا الوليد بن مسلم ثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه كان في عهد أبى بكر رضى الله عنه إلى الناس حين وجههم الى الشام قال: "إنكم ستجدون قوماً محلوقة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول**فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ}"، وهم الشمامسة من رؤساء النصارى فهؤلاء أمر بقتلهم وحرض عليه،، وقال ابن عبد البر "الشمامسة هم أصحاب الديانات والرهبان المخالطون للناس من أهل دينهم وغير دينهم وفيهم الرأي والمكيدة والعون بما أمكنهم وليسوا كالرهبان الفارين عن الناس المعتزلين لهم في الصوامع "(1)، ومثل هؤلاء من أئمة الكفر المأمور بقتلهم من رافقوا الحملة الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة لتحريض الجنود على قتال المسلمين في العراق أو للدعوة إلى النصرانية.
وأما إذا قاتلت المرأة من أهل الحرب أو قاتل الصبي أو الشيخ الهرم فيقتلون في هذه الحالة، وكذا إذا حرضوا الكفار المحاربين على القتال أو شاركوا بالرأي، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا... وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال، لأنها في حكم المقاتل، وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع من قتله منهم"(1).
وإذا لم يتمكن المجاهدون من قتل الكفار المحاربين إلا بقتل نسائهم وأطفالهم وشيوخهم، كما لو كانوا مختلطين بهم، ولا يمكن التمييز بينهم، كما في البيات، أو قصف مواقعهم وحصونهم، أو لتترس بهم، وكذا العمليات الاستشهادية التي تستهدف المحاربين منهم وقد يصاب فيها من يخالطهم من نسائهم أو أطفالهم أو شيوخهم، ففي كل هذه الحالات يجوز قتل نساء المحاربين وأطفالهم وشيوخهم تبعا لا قصدا، ويقصد في مثل هذه الحالات قتل المقاتلين دون غيرهم،فعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذرا ريهم، فقال "هم منهم"متفق عليه، والبيات هو الغارة ليلا فلايمكن التمييز بين الكفار المقاتلين وبين نسائهم وذرا ريهم.
الثالث: الوفاء بالعهود:
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بوجوب الوفاء بالعهود والعقود، وحرمة الغدر، فقال تعالى: **يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}، وقال تعالى: **وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}، وقال تعالى: **وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي، حسيل. قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدا فقلنا: ما نريده. ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر. فقال "انصرفا. نفي بعهدهم، ونستعين الله عليهم"رواه مسلم، وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما، أنَّ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: "أرْبع مِنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً. ومنْ كَانَتْ فِيه خَصلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِن النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذا اؤُتُمِنَ خَان، وإذَا حدَّثَ كذَبَ، وَإذا عَاهَدَ غَدَر، وَإذا خَاصَم فَجَرَ"متفقُ عليه، وقَالَ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يوْمَ القِيامةِ، يُقَالُ: هذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ"متفقٌ عليه، وقال صلى الله عليه وسلم "من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا"رواه ابن حبان والطبراني واللفظ له.
والكفار إما أهل حرب، وإما أهل عهد، وأهل العهد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، أهل هدنة، وأهل أمان، وأهل ذمة.
فأما أهل الهدنة فهم الذين يقيمون في دارهم وصالحوا الدولة الإسلامية على وقف الحرب إلى أجل، وهذه المصالحة أو المعاهدة ليست مؤبدة، ولا يقدم عليها الإمام إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك كما لو كان بالمسلمين ضعف، وأما في حال القوة فلا يجوز للإمام أن يقدم على المصالحة، وقد قال تعالى: **فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي لا تضعفوا عن الأعداء **وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ}أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم،... ولهذا قال: **فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأٌّعْلَوْنَ}أي في حال علوكم على عدوكم... فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك"(1).
وأما أهل الأمان فهم الذين يعطون الأمان، ليدخلوا دولة الإسلام دون أن يسـتوطنوا
فيها: كالرسل، والتجار، ومن له غرض من زيارة قريب أو نحوها، ومن يعرض عليه الإسلام والقرآن كما قال تعالى: **وَإِنْ أَحَدٌ منَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}.
وأما أهل الذمة فهم المقيمون في دولة الإسلام، وتجري عليهم أحكام الإسلام، وتؤخذ منهم الجزية، كما قال تعالى: **قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَق مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، والجزية تؤخذ من الرجال الأحرار البالغين،كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني " أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا " رواه أبو داود وغيره، ويجوز برهم والإحسان إليهم من غير موالاتهم ومودتهم، وتجب حمايتهم، ومنع التعدي عليهم في أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم أو تعذيبهم، وقد قال تعالى: **لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}، وقال مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر وغلام له يسلخ شاة فقال: يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي حتى قال ذلك مرارا فقال له: كم تقول هذا فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه" أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي، وأخرج أبوعبيد عن جسر أبي جعفر قال: "شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا وخسرانا مبينا فضع الجزية على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض فإن في ذلك صلاحا لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. قال ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه"، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما"رواه البخاري، وأخرج أبو عبيد عن صعصعة قال سألت ابن عباس فقلت إنا نسير في أرض أهل الذمة فنصيب منهم فقال بغير ثمن قلت بغير ثمن قال فما تقولون قلت نقول حلالا لا بأس به فقال أنتم تقولون كما قال أهل الكتاب **لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وأخرج عن طلحة بن مصرف قال - قال خالد بن الوليد" لا تمش ثلاث خطى لتأمر على ثلاثة نفر ولا لترزأ معاهدا إبرة فما فوقها ولا لتبغي إمام المسلمين غائلة"(1)، وعن هِشَام بن حكيم بن حزامٍ رضي اللَّهُ عنْهُما أنَّهُ مرَّ بالشَّامِ على أنَاسٍ مِنَ الأنباطِ، وقدْ أُقِيمُوا في الشَّمْس، وصُبَّ على رُؤُوسِهِم الزَّيْتُ، فَقَال: ما هَذا قًيل: يُعَذَّبُونَ في الخَراجِ، وَفي رِوايةٍ: حُبِسُوا في الجِزيةِ. فَقَال هِشَامٌ: أشْهَدُ لسمِعْتُ رسُول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ "إن اللَّه يُعذِّبُ الذِينَ يُعذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيا"فَدَخَل على الأمِيرِ، فحدَّثَهُ، فَأمر بِهم فخُلُّوا. رواه مسلم، وعن جبير بن نفير" أن عمر بن الخطاب أتي بمال كثير من الجزية فقال إني لأظنكم قد أهلكتم الناس قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا قال بلا سوط ولا نوط قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني".
الرابع: العدل مع الأعداء:
إن المسلم يجاهد في سبيل الله، ويبتغي بذلك إقامة حكم الله في الأرض، وهو في سعيه وجهاده لتحقيق هذه الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها يتمسك بشريعة الله العادلة، ولا يخرج عن العدل والإنصاف مع الصديق أو العدو فإن الظلم لا يحل مطلقا، حتى ولو اعتدى عليه الظالمون المعتدون من الصليبيين أو اليهود أو غيرهم، وقد قال الله تعالى: **وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ}، أي لا يحمل بكم بغض الكفار لأجل ظلمهم وعدوانهم عليكم إذ صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم وتطلبوا الانتقام منهم عدوانا وظلما، بل ألزموا الإنصاف مع أعدائكم، وعاملوهم بالعدل الذي شرعه الله لكم، وقال الله تبارك وتعالى: **وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، ولكن الزموا العدل فإن العدل أقرب إلى التقوى، وقال تعالى: **وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وعن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة يقول ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر قال: فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرها قال: "إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعدد، فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه" رواه أحمد، قال ابن كثير رحمه الله: "هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم أسخطوا لله عليهم بسبب هذا الاعتداء"(1).
فالجهاد في سبيل الله شريعة ربانية غايتها: أن تكون كلمة الله هي العليا، ومنهجها وطريقها الذي يسلكه المجاهدون في جهادهم هو شرع الله تبارك وتعالى وحكمه.
وأما الصليبيون واليهود فغاية حروبهم التي يسعرونها في الأرض أن يستعبدوا الشعوب، ويخضعوها لطاعتهم، والتحاكم لطواغيتهم كما قال تعالى: **الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}، ويحرضهم ويغريهم ما في نفوسهم من إرادة العلو في الأرض، والتجبر والاستطالة على الآخرين، والسطو على خيراتهم، ونهب ثرواتهم ومعادنهم ونفطهم، وإيجاد أسواق لبضائعهم، ولتحقيق أهداف حروبهم وبواعثها الإجرامية، فإنهم يسلكون جميع المسالك والأساليب الملتوية الجائرة، عملا بقاعدتهم الشيطانية ( الغاية تبرر الوسيلة)، وما يحدث من جرائم في حق المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وفي سجن أبو غريب وغوانتنامو وغيرها شاهد على ذلك.
فصل :قتال الطائفة الممتنعة
إذا امتنعت طائفة تنتسب إلى الإسلام عن شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة: كالصلاة أو الزكاة أو صيام رمضان أو الحج أو الجهاد في سبيل الله أو غيرها من الشعائر، فإنها تقاتل حتى يكون الدين كله لله، وقد قال تعالى: **وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدينُ كُلُّهُ لله}، وقد قاتل الصحابة رضي الله عنهم من امتنعوا عن أداء الزكاة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه. وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال. فعرفت أنه الحق" رواه البخاري ومسلم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج، ففي الصحيحين عن سويد بن غفلة. قال: قال علي: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأن أخرّ من السماء أحبّ إلي من أن أقول عليه ما لم يقل. وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم. فإن في قتلهم أجرا، لمن قتلهم، عند الله يوم القيامة".
وعن زيد بن وهب الجهني؛ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه. الذين ساروا إلى الخوارج. فقال علي رضي الله عنه: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء. ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء. ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء. يقرؤون القرآن. يحسبون أنه لهم وهو عليهم. لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم، ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم، لاتكلوا عن العمل. وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد، وليس له ذراع. على رأس عضده مثل حلمة الثدي. عليه شعرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم. فإنهم قد سفكوا الدم الحرام. وأغاروا في سرح الناس. فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلا. حتى قال: مررنا على قنطرة. فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي. فقال لهم: ألقوا الرماح. وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحّشوا برماحهم. وسلوا السيوف. وشجرهم الناس برماحهم. قال: وقتل بعضهم على بعض. وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي رضي الله عنه: التمسوا فيهم المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض. قال: أخّروهم. فوجدوه مما يلي الأرض. فكّبر. ثم قال: صدق الله. وبلّغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السلماني. فقال: يا أمير المؤمنين ألله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إي. والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا. وهو يحلف له." رواه مسلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا على الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة وإتباع سلف الأمة وأئمتها مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته أو التكذيب بأسماء الله وصفاته أو التكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور قال الله تعالى: **وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه}فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله"(1).[4]
باب: العلاقات الخارجية :
تتحاكم الحكومة الإسلامية في جميع سياساتها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ومن ذلك السياسة الخارجية للدولة الإسلامية, وفي هذا الباب تذكر بعض المعالم الأساسية في السياسة الخارجية للدولة الإسلامية.
وأولها عقيدة الولاء والبراء :
من أعظم الواجبات على الحكومة الإسلامية التي لا يصح إسلامها إلا بها, أن تحقق عقيدة الولاء والبراء بموالاة المسلمين ومحبتهم ونصرتهم, والبراءة من الشرك والمشركين, وإبداء العداوة والبغضاء لهم, وقد أوجب الله تعالى على المسلمين أن يتأسوا بإبراهيم والذين آمنوا معه في براءتهم من المشركين ومما يعبدون من دون الله, فقال تعالى: **قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ}.
وقال تعالى في وصف حزب الله تعالى: **لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.
وقال تعالى: **يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ. فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ. وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ. يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}, فبين الله تعالى في هذه الآيات أن الغلبة والنصر لحزب الله الذين يتولون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا, وأما أهل الردة فحسبوا أن التحصن من الدوائر, وأن العزة والغلبة وثبات الملك تنال بموالاة اليهود والنصارى, فسارعوا في موالاتهم, والدخول في حلفهم, وظاهروهم على المسلمين, فارتدوا بذلك وخرجوا من الإسلام كما دل عليه قوله تعالى: **وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}, وقوله تعالى **حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}, وقوله تعالى **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ}أي من يرتد منكم عن دينه بسبب موالاته للكفار أو بغيرها من نواقض الإسلام فسوف يأتي الله تعالى بقوم يحبهم ويحبونه, وهم الذين ظهر برهان محبتهم وصدق إيمانهم في أقوالهم وأعمالهم, فقد اتصفوا بالرحمة والذلة للمؤمنين, والعزة والشدة على الكافرين, وجاهدوا في سبيل الله ولم يخِفهم لوم اللائمين ولا صد الصادين, ولم تحِك أقوال أعداء الله وافتراءاتهم في صدورهم, ولم تصدهم حملاتهم الإعلامية عن إقامة شريعة الله تعالى, ونصرة دينه والجهاد في سبيله, وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه, قال العلامة السعدي رحمه الله: "يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين. وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب، ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته، عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم، على أمر الله. فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم"(1).
و قد وعد الله تعالى في هذه الآيات أن يأتي بالمجاهدين الذين يحبهم ويحبونه عند ارتداد طائفة عن دينها وموالاتها لليهود والنصارى, وهذا ظاهر في الحملة الصليبية الجديدة في زماننا هذا, فعندما سارع فئام من المرتدين إلى موالاة الصليبيين والدخول في حلفهم, أتى الله تعالى بالمجاهدين الصادقين فجاهدوا الأمريكان, وحلفاءهم من الكفار والمرتدين.
وقال تعالى: **بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}, فالمنافقون يوالون الكفار من النصارى واليهود وغيرهم, لينالوا بموالاتهم والدخول في حلفهم العزة والقوة, ويطمعون برضاهم واعترافهم بدويلاتهم, وحمايتهم لها, وهم في حقيقة الأمر لم ينالوا إلا الصغار والذلة والتبعية للصليبيين والردة عن الإسلام، فحالهم كحال المشركين الذين قال الله تعالى عنهم **وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً ليَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً}.
فإن العزة إنما تنال من الله تعالى بطاعته وإتباع مرضاته, فهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء, وهذا ما لا يفقهه المنافقون وقد قال تعالى: **مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}, وقال تعالى: **وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}, وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه " إنا كنا أذل قوم, فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله " أخرجه الحاكم.
وللحكومة الإسلامية مع قيامها بعقيدة الولاء والبراء أن تصالح بعض الدول إذا اقتضت ذلك المصلحة الشرعية, وتعقد معها صفقات تجارية, وتحسن إلى الكفار الذين لم يقاتلوا المسلمين, ولم يخرجوهم من ديارهم, كما تخاطب الكفار غير المحاربين وتجادلهم بالتي هي أحسن, وتلين في مخاطبتهم ودعوتهم حتى تبلغ لهم الرسالة وتبين لهم الحق.
الثاني: حكم التحاكم إلى الهيئات والمؤسسات والمحاكم الدولية:
من المعلوم من الدين بالضرورة أن التحاكم إلى غير شرع الله من الكفر والشرك بالله تعالى كما قال تعالى: **وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}, فمن تحاكم إلى الهيئات الدولية كهيئة الأمم المتحدة, ودخل في عضويتها, وتحاكم إلى قوانينها ومحاكمها فقد تحاكم إلى الطاغوت كما قال تعالى: **أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}.
وقال تعالى: **وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}, فسوى الله تعالى بين الخائضين الذين يكذبون بالحق ويطعنون فيه وبين القاعدين معهم, فإن الرضا بالكفر كفر, وهذا كالقعود في مجالس هيئة الأمم المتحدة أو مجالس الكفار والمرتدين عموما التي يكذب بها بآيات الله تعالى, قال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن الفضل ثنا محمد بن علي أنبا محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: "إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فإنكم إذا مثلهم ", وأخرج ابن جرير عن هشام بن عروة قال أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب فضربهم وفيهم صائم فقالوا إن هذا صائم فتلا **فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}.
وقال القرطبي في قوله تعالى **إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}" فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله عزوجل **إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية"(1).[5]
وقوله تعالى في الآية **إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}أي كما اجتمع الكفار والمنافقون في الدنيا على الكفر والباطل والطعن بالحق, وفي مجالس التآمر والكيد فإن الله تعالى سيجمع بينهم جميعا في نار جهنم, قال ابن جرير " وقوله **إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم}يقول إن الله جامع الفريقين من أهل الكفر والنفاق في القيامة في النار فموفق بينهم في عقابه في جهنم وأليم عذابه كما اتفقوا في الدنيا فاجتمعوا على عداوة المؤمنين وتآزروا على التخذيل عن دين الله وعن الذي ارتضاه وأمر به أهله".
وقال تعالى: **وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}, فنهى الله تعالى على القعود مع الذين يخوضون في آيات الله تعالى, وخوضهم فيها هو تكذيبهم واستهزاؤهم وطعنهم فيها, وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قوله **فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}قال " هم أهل الكتاب نهى أن يقعد معهم إذا سمعهم يقولون في القرآن غير الحق ".
فالتحاكم إلى الطاغوت المسمى إفكا وزورا بالشرعية الدولية والإعراض عن شرع الله تعالى من الكفر الأكبر المخرج من الملة, وقد قال تعالى **أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ. فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وقال تعالى **وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ. وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ. وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}،وقال تعالى **أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، فإن الذين أعرضوا عن إتباع مرضات الله تعالى والتحاكم إلى شرعه في الشؤون الخارجية, وقعوا في عبودية النصارى وإتباع مرضاتهم, فإن هذه المنظمة لا يصدر عنها قرار إلا بموافقة الدول الخمس الدائمة العضوية التي تملك ما افتروه وسموه بحق النقض " الفيتو ", وهي أربع دول نصرانية وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والخمسة الصين الشيوعية, وهذه سنة الله تعالى في عباده فمن استكبر عن عبودية الله تعالى وقع في عبودية العبيد, ومن حاد عن إتباع ما يحبه الله ويرضاه اتبع ما يحبه ويرضاه النصارى واليهود وغيرهم من شياطين الإنس والجن.
فهذه المنظمة الطاغية تسعى لبث العقيدة الغربية المسماة بالديمقراطية في العالم, كما تشكل بزعمهم غطاءً شرعيا- بحسب شريعتهم الكافرة - للاحتلال الصليبي اليهودي لبلاد المسلمين, فهي التي جعلت لليهود نصيبا في فلسطين, وهي التي أعطت ما يسمى بالشرعية المفتراة للاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق, وساعدت الولايات المتحدة في احتلالها وتنفيذ مخططاتها, وهي التي تدعي أن الشيشان جزء من روسيا النصرانية.
ومن تناقضات الصليبيين أن هيئة الأمم المتحدة التي تروج للديمقراطية - التي حقيقتها التمرد على عبودية الله- هي منظمة دكتاتورية بحسب وصفهم وتقسيماتهم للأنظمة, فإن قرارات مجلس الأمن في هيئة الأمم المتحدة هي النافذة فيها والملزمة لأعضائها, وهو مجلس دكتاتوري وليس ديمقراطيا بحسب عقيدتهم, حيث تسيطر عليه الدول الخمس التي تملك ماافتروه وسموه بحق النقض " الفيتو ", وأما الجمعية العمومية فهي مجلس ديمقراطي بحسب تعريفاتهم, ولكن قراراتها ليست بملزمة, فنخلص إلى أن هذه المنظمة التي تروج للكفر المسمى بالديمقراطية هي في حقيقتها بحسب عقيدتهم تنتهج نظاما دكتاتوريا.
والسبب في هذا التناقض أن الديمقراطية التي يسمونها " لعبة " هي بالفعل كذلك يتلاعبون من خلالها بالشعوب, ويستخدمون الدعوة إلى نشرها, ونشر الانفلات من دين الإسلام ومن أخلاقه الذي يسمونه بالحرية، والمناداة بحقوق الإنسان أو المرأة أو غيرها من الشعارات المضللة, للتسلط على الآخرين والتدخل في شؤونهم, والسيطرة على بلادهم وخيراتهم, كما هو ظاهر في المشروع الأمريكي المسمى بالشرق الأوسط الكبير, وإذا ما عارضت هذه العقائد والمصطلحات كالديمقراطية والحرية ونحوها أطماعهم الدنيوية ورغباتهم بالتسلط والتجبر على الآخرين في هيئة الأمم أو غيرها, فإنهم يتخلون عن آلهتهم المسماة بالديمقراطية وعن شعاراتها.
هذه دراسة عظيمة ورسالة أظهرت عقيدة أهل السنة والجماعة ذكر فيها كاتبها كل أصول الاعتدال عند أهل السنة والجماعة ، ولحال الأمة المرير والمؤلم ، ولوجود بعض الإشكاليات على من لم يطلع على عقيدة أهل السنة وظهور دعاة الضلال ومحاولتهم تلبيس بعض النصوص ووضعها في غير محلها ، وحرصا منا على إظهار الحق وبيان ما يجب على المسلم فعله والتمسك به أردت إعادة نشر هذه الدراسة الكبيرة من كتاب السياسة الشرعية للشيخ العلاّمة أبي عمر محمد عبد الله السيف.
أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلها في صحائف أعمالنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه وسلم ..
قدمها وعلق عليها – الشيخ مهدي الصميدعي
الخميس 21 رجب 1432 هجرية
________________________________________
[1] المقصود بالحاكمية هنا – تطبيق شرع الله عزوجل ، من إقامة شرعه ، وتطبيق أمره ونهيه ، وليس المقصود بمصطلح الحاكمية فالفرق بينهما كبير ، المدعين لمصطلح الحاكمية يرفعون شعارات الكذب والزور ولا يهمهم تطبيق الشريعة من عدمها وإنما همهم الوصول إلى كرسي الحكم ولو على حساب الشريعة وأحكامها – وأما الحاكمية فهي تطبيق الشريعة وفق الضوابط التي ذكرها الشيخ من اختيار الأمير والقيام بواجب الدعوة إلى الله للوصول بالناس إلى إقامة الحاكمية الشرعية ( الكتاب والسنة ) وليست الفتن والفوضى والتخلق بأخلاق الغرب وتنفيذ أوامرهم والتعاون معهم على قتل وتدمير ممتلكات المسلمين ..
[2] يقول الإمام ابن حجر رحمه الله ( انعقد الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم : وقال قال ابن بطال اجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء)) فتح الباري 13/7 ونقل الإمام النووي -رحمه الله - الإجماع على ذلك فقال في ((وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث على ماذكرته واجمع أهل السنة انه لاينعزل السلطان بالفسق شرح النووي 12/229
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصا الله ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن يعص أميري فقد عصاني )) رواه مسلم
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه قال - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك رواه مسلم ( 1836)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ((فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد , وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم ,فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور لله فأجره على الله ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذ ه من الولاية فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم , فماله في الآخرة من خلاق ))
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :((
ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولاينظر إليهم ولايزكيهم , ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل , ورجل بايع رجلاً سلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ، ورجل بايع إماماً لايبايعه إلا لدنيا , فإن أعطاه منها وفا وإن لم يعطه منها لم يف )) الفتاوى ( 35/16-17)
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (( لما سأله رجل :يانبي الله
أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس فقال صلى الله عليه وسلم (( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ماحملوا وعليكم ماحملتم رواه مسلم ( 1846)
قال القرطبي : ( يعني أن الله تعالى كلف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلف المُولَى عليهم الطاعة وحسن النصيحة فأراد : انه إذا عصى الأمراء الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم , فلاتعصوا الله انتم فيهم وقوموا بحقوقهم
فإن الله مجاز كل واحد من الفريقين بما عمل .)) المفهم (4/55)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم
((يكون بعدي أئمة لايهتدون بهداي ولايستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قال ( حذيفة): قلت : كيف أصنع يارسول الله ؟ إن أدركت ذلك ؟؟ قال : (( تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك , فاسمع وأطع )) رواه البخاري ( 7084) ومسلم ( 1847) باب ( يصبر على أذاهم وتؤدى حقوقهم )
وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( من كره من أميره شيئاً
فليصبر عليه ,فإنه ليس من أحد من الناس يخرج من السلطان شبراً فمات عليه , إلا مات ميتة جاهلية ))
رواه مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنه - (1849) ورواه البخاري ( 7053)
وعن نافع قال : جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ماكان من يزيد بن معاوية فقال : اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة . فقال : إني لم آتك لأجلس , أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله , سمعته يقول :(( من خلع يداً من طاعة , لقي الله يوم القيامة لاحجة له , ومن مات وليس في عنقه بيعة , مات ميتة جاهلية )) رواه مسلم ( 1851)
قال القرطبي في المفهم :قوله ( ولاحجة له ) أي لايجد حجة يحتج بها عند السؤال فيستحق العذاب ,لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أبلغه ماامره الله بإبلاغه من وجوب السمع والطاعة لأولي الأمر , في الكتاب والسنة ) انتهى كلامه .
وروى مسلم في الصحيح في باب ( فيمن خلع يداً من طاعة وفارق الجماعة )
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من خرج عن الطاعة , وفارق الجماعة , فمات فميتته جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعوا لعصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا ينحاش عن مؤمنها , ولا يفي لذي عهد عهده , فليس مني ولست منه )) رواه أحمد (2/296) ومسلم (1848)
قال القرطبي في المفهم : ( قوله (من خرج عن الطاعة ....) بالطاعة : طاعة ولاة الأمر وبالجماعة : جماعة المسلمين على إمام أو أمر مجتمع عليه . وفيه دليل على وجوب نصب الإمام وتحريم مخالفة إجماع المسلمين وأنه واجب الإتباع ))
ثم قال ( ويعني بميتة الجاهلية ) أنهم كانوا فيها لا يبايعون إماماً ولا يدخلون تحت طاعته , فمن كان من المسلمين لم يدخل تحت طاعة إمام فقد شابههم في ذلك , فإن مات على تلك الحالة مات على مثل حالهم مرتكباً كبيرة من الكبائر , ويخاف عليه بسببهَا أن لا يموت على الإسلام )) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (4/59)
قال صلى الله عليه وسلم: (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم , يريد أن يشق عصاكم , فاقتلوه )) رواه مسلم ( 1852)
وقال صلى الله عليه وسلم: (( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون , فمن عرف فقد بريء , ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا : أفلا نقاتلهم قال :لا , ما صلوا )) رواه مسلم
قال الإمام النووي -رحمه الله - (( أما قوله فمن عرف فقد بريء وفي الرواية التي بعدها فمن كره فقد بريء فظاهره ومعناه :من كره ذلك المنكر فقد بريء من إثمه وعقوبته , وهذا في حق من لايستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ وأما من روى ( فمن عرف فقد بريء ) فمعناه والله أعلم فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بان يغيره بيده او بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه
وقوله صلى الله عليه وسلم ((ولكن من رضي وتابع ))
معناه : ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لايأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضا به أو أن لايكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه وأما قوله صلى الله عليه وسلم (( أفلا نقاتلهم فقال لاما صلوا ))ففيه معنى ماسبق : أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق مالم يغيروا شيئاً من قواعد الإسلام )) انتهى شرح النووي على صحيح مسلم 12/243-244)
وعن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم , وتلعنونهم ويلعنونكم, قيل : يارسول الله أفلاننابذهم بالسيف ؟؟؟ فقال : لا, ماأقاموا فيكم الصلاة , وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولاتنزعوا يداً من طاعة . )) رواه مسلم
وفي رواية قال : لاما أقاموا فيكم الصلاة , لا ما أقاموا فيكم الصلاة , ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره مايأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة . )) صحيح مسلم بشرح النووي ( 12/244) وعن أبي ذر قال :(( إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف )) رواه مسلم(1837)
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية ,فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) رواه البخاري (7144) ومسلم ( 1839)
قال القرطبي في المفهم : قوله ( على المرء المسلم .....) ظاهرٌ في وجوب السمع والطاعة للأئمة والأمراء والقضاة ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولاً واحداً )) المفهم( 4/39) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من حمل علينا السلاح فليس منا , ومن غشنا فليس منا )) رواه مسلم
وقال ابن تيمية :(( فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم , فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور فأجره على الله ومن كان لايطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال وإن منعوه عصاهم فماله في الاخرة من خلاق.وقد روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :((ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولاينظر إليهم ولايزكيهم ولهم عذاب أليم ، ورجل بايع إماماً لايبايعه إلا لدنيا , فإن أعطاه منها وفا , وإن لم يعطه منها لم يف )) وقال الإمام الصابوني :(( ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات كل إمام مسلم ,براً كان أو فاجراً ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح .
ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل الى الجور والحيف )) (عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص294)ط دار العاصمة وقال الإمام البر بهاري في ( شرح السنة: وأعلم أن جور السلطان لاينقص فريضة من فرائض الله عز وجل التي افترضها الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، جوره على نفسه ,وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله ,يعني : الجماعة والجمعة معهم والجهاد معهم وكل شيء من الطاعات فشاركه فيه فلك نيتك . وإذا رأيت الرجل يدعوا على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى , وإذا رأيت الرجل يدعوا للسلطان بالصلاح فاعلم انه صاحب سنة إن شاء الله ))(شرح السنة ص114)ط دار السلف وقال محمد الشهير ( بابي زمنين ) في كتابه (أصول السنة )السمع والطاعة لولاة الأمور أمر واجب و مهما قصروا في ذاتهم فلم يبلغوا الواجب عليهم ,غير أنهم يدعون إلى الحق ويؤمرون به ويدلون عليه فعليهم ماحملوا وعلى رعاياهم ماحملوا من السمع والطاعة ))
أصول السنة 276)ط مكتبة الغرباء الأثرية وقال الطحاوي : ((ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولاندعوا عليهم ولاننزع يداًُ من طاعة نرى طاعتهم في طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية , وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة )) شرح الطحاوية ص371) ط شاكر وقال ابن تيمية في الواسطية :((ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ماتوجبه الشريعة ويرون إقامة الحج والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً )) شرح الواسطية للفوزان ( 215) وقال ابن تيمية -رحمه الله -:(( ولعله لايكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد أكثر من الذي في إزالته )) قال ابن حنبل -رحمه الله -: ((اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله يعني الإمام أحمد رحمه الله-وقالوا له : إن الأمر قد فشا وتفاقم -يعنون إظهار القول بخلق القرآن , وغير ذلك -ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه .
فناظرهم في ذلك , وقال : عليكم بالإنكار في قلوبكم ولا تخلعوا يداً من طاعة ,ولاتشقوا عصا المسلمين ,ولا تسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم , وانظروا في عاقبة أمركم ,واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر .
وقال :ليس هذا -يعني نزع أيديهم من طاعته -صواباً ,هذا خلاف الآثار )) الآداب الشرعية ( 1/195-196) أخرجها الخلال في السنة (ص133
[3] مايحدث اليوم من مظاهرة بعض المدعين الانتساب إلى الإسلام وهم يستغيثون ويستنجدون بالغرب وخاصة دول الحرابة والعداء ( مثل أمريكا وبريطانيا ) التي أفسدت وأثخنت بالمسلمين في العراق – وليبيا واليمن واليوم يتآمر هؤلاء أصحاب دعوة المحسوبية الذين أباحوا لأنفسهم الاستعانة بالكفار لضرب بلاد المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم وممتلكاتهم بذرائع قبيحة وادعاءات باطلة فهؤلاء الراكنين لأوليائهم من الكفار حججهم واهية وأمرهم واضح ولا يجوز في حال الركون إليهم والعمل معهم لان هذه الأعمال تنفي الإيمان عمن يقوم بها ويقع تحت قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ولا يوجد فرق بين عملاء الأمريكان في العراق ولا العملاء في ليبيا واليمن وسوريا وأفغانستان فكل هؤلاء وقعوا تحت قاعدة موالاة الكافرين وجاءوا بهم إلى ضرب المسلمين واحتلال ديارهم ..
[4] من المعلوم في دين المسلمين بالاضطرار أن من أعان الكفار أو أيدهم أو ناصرهم وعاونهم على قتال المسلمين أو جلبهم لديار المسلمين وأمدهم بالمعلومات والمال والسلاح فهو مرتد خارج عن دائرة الإسلام . يجب على والي المسلمين قتاله ومن معه وهؤلاء لايعاملون معاملة المسلمين وليس لهم حق الإسلام ولا يقبل منهم عذر ولا تأويل فإن هذه الأمور مقطوعة في الشريعة .
[5] وهذا حال من يجلس في مجالسهم ، فما بال من يستغيث بهم ليتدخلوا في شؤون المسلمين بل والأدهى من ذلك يفرح حين يقومون بالاعتداء وضرب بلاد المسلمين وقتل أبنائه ويعتبرون ذلك من باب رفع الظلم ، يزكي الكفار ويسقط العدالة عن فسقة وظلمة المسلمين ..
(الأحكام المتواترة للوقاية من الفتن المستعرة)
قال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }المائدة50
إِنَّ اَلْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِيِنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ,وَنَعُوْذُ بِاْلله مِنّ شُرُورِ أَنْفُسِنَاْ,وَمِنْ سَيئَاْتِ أَعْمَالِنْاَ,مَنْ يَهْدِهِ اَلله فَلاَ مُضِلَ لَهُ,وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِياَ لَهُ,وَأَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إلاَ اَلله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لِهُ,وَأشْهَدُ أَنَّ مُحمَدً عَبْدُهُ وَرَسُوُلُهُ.أَماَ بَعْدُ:فإِنَّ أَحسَنَ اَلكَلَامْ كَلامُ اَلله,وَخَيرَ الهَديْ هَديُ مُحَمَدٍ صَلَى الله عَليهِ وَسَلمْ,وشَرَ الأُمورِ مُحدَثاَتُهَا,وَكُلَ مُحدَثَةً بِدْعَة,وَكُلَ بِدْعَةً ضَلاَلةْ,وَكُلَ ضَلاَلَةٍ فْيَ الْنَارْ أما بعد :
إن أفضل شيء في حياة الإنسان أن يعيش حياته على علم وبصيرة ، وتكون هذه الحياة مبينة وفق ثوابت تسير عليها ، تنظم وقتها ، وتحمي حقوق أبنائها ، تنشر العدل ، وتمنع الظلم ، فتكون الحقوق فيها معلومة والجور والاعتداء ممنوعا ، والمتتبع في سير الأمم وحياة البلدان ونظام الحكم في كل وقت وزمان ، يجد أن المجتمعات تعيش بعيدة كل البعد عن هذا الواقع الذي يناشد به كل صغير وكبير من أفرادها ، وهنا لابد من وقفة نضع النقاط على الحروف ونعطي نصاب الأشياء ، ونعترف بحقيقة غيبتها المجتمعات بنفسها ، إن عناية الله تعالى لخلقه لم تقتصر على الخلق وحسن الصورة والرزق فحسب بل كاملة الجوانب وظاهرة المعالم ، الأمم السالفة قبل جربت كل جزئيات الحياة فلم تنعم ولم تسعد إلا حين يبعث الله لهم نبيا ينشر بينهم العدل ويرفع عنهم الظلم ويطبق فيهم إرادة رب الأرض والسموات في تحقيق معنى العبودية التي هي غاية ماينشده كل فرد من أبناء المجتمع الإنساني حيث أنها ثمرة العيش الكاملة ففيها الإذعان الكامل لله رب العالمين ، وإقامة ما أوجبه الله من تطبيق نظام العدالة في المجتمع ..
________________________________________
وبينما نحن نتكلم عن حاجة الأمم إلى الزاد الذي ينمي ودها وينشر خيرها ويحمي حقوقها ، ويديم عزها ، ويرشد أبنائها إلى الخير ويحذرهم من الشر ، وبينما أنا أتطلع حال الأمة والفراغ الذي قتل وحدتها ونشر العداوة والبغضاء بين أبنائها ، فأهضمت الحقوق ، وانتهكت الحرمات ، وعلت الارآء والأفكار والمناهج وطمست شريعة الله وتكلم الصغير والجم الكبير وقدم الجاهل ، وركن العالم ، فكذب الصادق وصدق الكاذب وانحاز الناس للرغبات والشهوات فكثر الهرج والمرج ، فهل من منقذ ينقذ الناس مما هم فيه وهل من منصف يقول قولة الحق التي تعيد الناس إلى صوابهم ، قرأت رسالة عظيمة فيها مفاتح الخير ، والوقوف عليها وقوفا في غلق باب الشر ، مفاتحها ظاهرة ، ومعالمها واضحة ، من سار على نهج مافيها نجا ومن أعرض واتبع نفسه هواها حلت به كارثة ، إن أعرضت الأمة عن مضمونها ، انتهكت حرماتها وقتل أبنائها بعضهم البعض، وهانت بعين عدوها ، رسالة في السياسة الشرعية للشيخ المجاهد أبي عمر محمد بن عبد الله السيف الجابر آل بوعينين التميمي المتوفى سنة 1426هـ رحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الشهداء والصالحين وحشرنا وإياه والمخلصين من أبناء هذا الدين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا , دراسة عظيمة ورسالة أظهرت عقيدة أهل السنة والجماعة ذكر فيها كاتبها كل أصول الاعتدال عند أهل السنة والجماعة ، ولحال الأمة المرير والمؤلم ، ولوجود بعض الإشكاليات على من لم يطلع على عقيدة أهل السنة وظهور دعاة الضلال ومحاولتهم تلبيس بعض النصوص ووضعها في غير محلها ، وحرصا منا على إظهار الحق وبيان ما يجب على المسلم فعله والتمسك به أردت إعادة نشر هذه الدراسة الكبيرة عسى الله بعزته وجلاله يجعل فيها كرامة لمن يقرئها من أبناء الأمة ، فينتفع الجميع ، ويقفوا جدارا قويا أمام زحف أهل الأهواء والبدع الذين تركوا الكفار يسرحون ويمرحون في بلاد المسلمين وأشعلوا نار الفتنة بين أبناء الأمة ، والله يشهد ما أردت إلا الإصلاح ما استطعت وحسبي الله ونعم الوكيل .
الإمامة الكبرى:
الإمامة واجبة على المسلمين، وهي ضرورة لقيام دينهم،وحكمه في الأرض، وإصلاح أمور دنياهم ومعاشهم، وقد قال تعالى: ( إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً. يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ), وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه " إنه لا إسلام إلا بجماعة, ولا جماعة إلا بإمارة, ولا إمارة إلا بطاعة, فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم, ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكا له ولهم). رواه الدار مي
وقال الماوردي رحمه الله: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا, وعقدها لمن يقوم بها من الأمة واجب بالإجماع"(1), وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"، رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.
وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم" فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة "(1).
فصل شروط الخليفة :
الشرط الأول:
أن يكون عالما مجتهدا يستطيع الاجتهاد فيما يعرض عليه من شؤون البلاد، ويسوس الدولة سياسة شرعية فكما أن العلماء ورثة الأنبياء, فكذلك الحكام يسيرون في سياسة الدولة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ، ولا يمكن لمن يجهل أحكام الشريعة أن يسوس البلاد والعباد سياسة شرعية ، ولهذا فالواجب أن يكون الإمام عالما مجتهدا يقود الناس على علم وبصيرة, وقد قال تعالى(قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (
وفي كتاب السنة للخلال قال رجل لعمر رضي الله عنه في أمر الاستخلاف: "يا أمير المؤمنين ، فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله ، والله ما أردت بها الله، استخلف رجلا لم يحسن يطلق امرأته ، فتأمل قول عمر في ابنه عبد الله رضي الله عنهما وهو من كبار علماء الصحابة رضي الله عنهم, وقال عمر رضي الله عنه "تفقهوا قبل أن تسودوا" أخرجه ابن أبي شيبة وغيره وصححه الحافظ ابن حجر وقال البخاري بعد هذا الأثر"وبعد أن تسودوا"
حتى لا يفهم أن السيادة مانعة من التعلم, وهذا الأثر يدل على أهمية التعلم قبل الولاية, حتى يسوس الأمير الرعية على بصيرة وعلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الشرط الثاني:
أن يكون الإمام قويا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم ، وخبيرا مجربا ذا رأي وحكمة ، وحسن سياسة وتصرف في تجييش الجيوش ، وخوض الحروب, وحماية البلاد ، وردع أهل الفساد والظلم في الأرض والانتصار للمظلومين, وأن يكون صارما حازما، لا تأخذه رأفة في تنفيذ القصاص والحدود وسائر العقوبات قال تعالى: **إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ(
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "ومن هنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه "(1)
و قال العلامة السعدي رحمه الله: "فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم؛ بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة؛ وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة، وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال"(2), وقال تعال: خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ},
قال ألسدي" بجد, واجتهاد", أخرجه ابن جرير, وقال تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}, وقال تعالى: **وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُل شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لكُل شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}, أي بجد واجتهاد, قال ابن عباس رضي الله عنهما: "بجد وحزم" أخرجه ابن أبي حاتم وغيره وعن قتادة في قوله تعالى)فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ - قال: "إن الله تعالى يحب أن يؤخذ أمره بقوة وجد " أخرجه عبد بن حميد, وقال تعالى (يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّة( فالأمير ينبغي أن يكون قويا بلا عنف, وأن يكون لينا بلا ضعف, وقال تعال )فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ }, قال ابن عباس "ذوو الحزم والصبر" والحزم هو ضبط الأمر وتنقيحه والاحتياط فيه والحذر من الخطأ وشدة الاهتمام في تحصيل المصلحة, قال ابن عطية: "الحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه ", وقال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «المُؤمِن الْقَوِيُّ خيرٌ وَأَحبُّ إِلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وفي كُلٍّ خيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا ينْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ. وإنْ أصابَك شيءٌ فلاَ تقلْ: لَوْ أَنِّي فَعلْتُ كانَ كَذَا وَكذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قدَّرَ اللَّهُ، ومَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان». رواه مسلم.
ومن القوة أن يكون الإمام شجاعا قادرا على خوض الحروب ومواجهة الأعداء من الكفار والمنافقين, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الولاة: " فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم، لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك ", وقال: "فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لايصلح الدين والدنيا إلا بذلك، ولهذا كان من لايقوم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره كما قال الله تعالى: **يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ* إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال تعالى: **هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (1), وقال تعالى (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}, وقال تعالى: **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ منَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}, وقال تعالى: **فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}, وقال تعالى: **مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً منَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ منْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}, وقال تعالى: **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، فوصف الله تعالى الذين يحبهم ويحبونه بالذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله, وعدم الخوف من لوم اللائمين، فلا يصدهم عن إقامة شرع الله والجهاد في سبيل الله لوم أهل الكفر والنفاق، وما يفترونه في وسائل إعلامهم, فإن القلب لا يلتفت إلى أقوالهم ويحرص على مراعاتها، إلا إذا كان فيه من التعبد لأعداء الله بحسب ما فيه من مراعاتهم وطلب مرضاتهم, قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: **أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه، متعززاً على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: **مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الضحوك القتَّال، فهو ضحوك لأوليائه قتَّال لأعدائه, وقوله عز وجل( يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ) أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل "(1) و عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقى، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولاقوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش" رواه أحمد, وقال الإمام ابن جرير عن عمر رضي الله عنه: وكان رضي الله عنه شديدا على أهل الريب، وفي حق الله صليبا حتى يستخرجه، ولينا سهلا فيما يلزمه حتى يؤديه وبالضعيف رحيما رؤوفا "(1), وفي كتاب الزهد لابن أبي عاصم " عن معاوية بن خديج قال: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بفتح الإسكندرية ".. وفيه " قال عمر: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: إن أمير المؤمنين قائل, قال بأس ما قلت, أو بأس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعن الرعية, ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟!", وقد كان رضي الله عنه صارما في أمر الله، قويا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم ، قد جعل الله له هيبة في قلوب العباد, قال الحسن عن عمر رضي الله عنه: "غلب الناس بالزهد في الدنيا، والصرامة في أمر الله، ولا يخاف في الله لومة لائم" مصنف ابن أبي شيبة, وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال: فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك" رواه البخاري ومسلم.
كما يجب على الإمام أن يكون قويا في تنفيذ أحكام القضاء والقصاص والحدود وسائر العقوبات، وألا تأخذه رأفة في ذلك, قال الله تعالى: **ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ منَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
وأما الضعيف فلا يصلح للإمارة, كما في حديث أبي ذرٍ رضي اللَّه عنه قال: قال لي رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "يا أبا ذَر أَرَاك ضعِيفاً، وإني أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لِنَفسي، لا تَأَمَّرنَّ على اثْنيْن ولا تولِّيَنَّ مال يتِيمِ" رواه مسلم, وعنه قال: قلت: يا رسول اللَّه ألا تَستعمِلُني؟ فضَرب بِيدِهِ على منْكبِي ثُمَّ قال: "يا أبا ذَرٍّ إنَّكَ ضَعِيف، وإنَّهَا أَمانة، وإنَّها يوم القيامَة خِزْيٌ ونَدَامةٌ، إلاَّ من أخَذها بِحقِّها، وأدى الذي عليهِ فِيها" رواه مسلم.
الشرط الثالث:
أن يكون الإمام تقيا عدلا, ولا خلاف بين أهل العلم أن الإمامة لا يجوز أن تعقد لفاسق ، قال تعالى(وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُريَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ) وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختارون أفضلهم للخلافة, ولهذا كان ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل هو ترتيبهم في الخلافة, فأفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم, أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخليفة الأول, ثم عمر رضي الله عنه وهو الخليفة الثاني, ثم عثمان رضي الله عنه وهو الخليفة الثالث, ثم علي رضي الله عنه وهو الخليفة الرابع، وعن على رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال: "إن تؤمروا أبا بكر رضي الله عنه تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر رضي الله عنه تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا رضي الله عنه ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم" رواه أحمد وغيره.
وقد تضمن هذا الحديث العظيم طريقة اختيار الإمام من خلال الشورى، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إن تؤمروا"، وتضمن بعض الصفات التي تشترط في الإمام وأولها: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وهذه من صفات أئمة العدل الذين زهدوا في الدنيا وطهرت نفوسهم من طلب العلو في الأرض والتكبر على الخلق ومن حظوظ النفس وأطماعها، ورغبوا بما عند الله تعالى، ومن كان هذا وصفه فجدير به أن يقيم العدل ويحكم بين الناس بالحق بعد أن طهرت نفسه من الأهواء والأطماع الدنيوية التي تصد عن الحق، وقد قال تعالى: **يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ}.
و الثانية: أن يتصف بالأمانة وقد قال الله تعالى: **إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}، والأمانة تشمل القيام بالواجبات واجتناب المحرمات، ومن الأمانات الولاية على المسلمين فيجب النصح والإحسان فيها ويحرم الغشى فيها والخيانة، ومن الأمانات إسناد الوظائف والأعمال إلى أهلها، ومن الأمانات أداء الأموال إلى الرعية بعدل وإنصاف، ومن الأمانات المال العام فيجب حفظه وتجنب التعدي فيه وإضاعته والإسراف في إنفاقه أو إهماله والتفريط في حفظه وصيانته، ومن الأمانات أسرار الدولة وغيرها فيجب حفظها ويحرم إفشاؤها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.
الثالثة: أن يتصف بالقوة وألا يخاف في الله لومة اللائم، وقد تقدم الكلام فيها.
الرابعة: الهداية ، وهي تتضمن العلم والعمل بالعلم والدعوة إليه ، فيجب أن يكون الإمام عالما مجتهدا وأن يعمل بعلمه ، وأن يقود الأمة إلى الصراط المستقيم.
فإن الإمام التقي الناصح العادل هو المؤتمن على الإسلام والمسلمين ، وأما الفاسق الذي لم يتصف بالتقوى والعدل، ولا تقبل شهادته على اليسير من المال, فأنى لمثل هذا أن يكون أهلا لإقامة دين الله في الأرض والعدل بين الناس، وهو لم يقم العدل والصلاح في نفسه, وكيف يقيم الناس على الحق ويأطرهم عليه من كان مائلا عنه ومعرضا عن التمسك به.
و الناس تبع لولاة الأمر وهم العلماء والأمراء, فإذا صلح هذان الصنفان صلح الناس , وإذا فسدا فسد الناس, وفي صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم قال دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت فقالت: من أنت ؟ قال: امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين ؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت ؟ قال: إنك لسؤول أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية ؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم قالت: وما الأئمة ؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس",و في السنن الكبرى للبيهقي عن عمر رضي الله عنه قال عند موته: "اعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم", وعن زهير بن معاوية عن الأعمش قال - قال حذيفة: "إذا كان والي القوم خيرا منهم لم يزالوا في علياء، وإذا كان واليهم شرا منهم أو قال شرهم لم يزدادوا إلا سفالا"(1).
الشرط الرابع:
أن يكون الخليفة من صميم قريش، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" رواه البخاري.
الشرط الخامس:
أن يكون الإمام حرا.
الشرط السادس:
أن يكون مسلما, فإن الله تعالى قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين, فلا ولاية لكافر على مسلم.
الشرط السابع:
أن يكون ذكرا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري.
الشرط الثامن:
أن يكون سليم الأعضاء, ليس مصابا بالزمانة أو العمى أو نحوه ، لقول الله تعالى: **إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ}.
الشرط التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا.
فصل: في اختيار الإمام
يتم اختيار الإمام عن طريقين أولهما: أن يختار أهل الحل والعقد للإمامة العامة أفضل من توفرت فيه الشروط الشرعية للإمامة, والطريق الثاني: أن يستخلف الإمام أفضل من توفرت فيه الشروط للإمامة بعده ويشاور في هذا أهل الحل والعقد، وفي حالة النزاع في أحقية من استخلفه الإمام بعده فيفصل النزاع بشرع الله تعالى لعموم قوله تعالى: **فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، قال القاضي أبو يعلى رحمه الله "و الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل الحل والعقد، والثاني: بعهد الإمام من قبل، فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد"، وقال: "وإذا اجتمع أهل الحل والعقد على الاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجود فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا, وأكملهم شروطا، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عليه, فإن أجاب إليها بايعوه عليها, وانعقدت له الإمامة ببيعتهم ولزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته, وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها وعدل إلى من سواه من مستحقيها فبويع عليها "(1).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنّة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بُويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً... فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكاًًًً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكاً بذلك... وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما، سواء كان ذلك جائزا أو غير جائز...
ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه (يعني أبا بكر رضي الله عنه) وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماما بذلك، وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة، لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك... فمن قال إنه يصير إماماً بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط "(1).
وقال ابن خلدون رحمه الله: "اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين... ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة"(2).
ويبايع الإمام على إقامة شرع الله تعالى والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ولا يجوز أن يقصد المبايع عرضا من الدنيا: إن أعطي مقصوده رضي، وإن لم يعط سخط ولم يف بالبيعة وغدر بالإمام،وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنياه إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يعط بها"أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.
ولا تحدد الإمامة الكبرى بمدة, فمن بويع بالإمامة الكبرى يبقى على إمامته للمسلمين حتى الوفاة أو العزل, وسيأتي بيان ما يعزل به الإمام.
حكم الانتخابات العامة:
من القواعد الأساسية في النظام الديمقراطي اختيار رئيس البلاد، وأعضاء البرلمان عن طريق الانتخابات العامة, وهذا المسلك في الاختيار من مسالك وسبل الكافرين التي لا تجوز نسبتها لدين الإسلام, والأدلة على تحريم الانتخابات العامة ما يلي:
أولا:أن الحاكمية في الإسلام لله تعالى، وليست للشعب أو غيره , و إنما الواجب على الشعب الانقياد لأمر الله وحكمه, كما قال تعالى: **وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}, وقال تعالى: **وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً}.[1]
ثانيا:أن إبطال الشروط الشرعية الواجب توفرها في الإمام أو أعضاء الشورى, وإبطال الطريقة الشرعية في الاختيار, واستبدالها بالانتخابات الديمقراطية هو من التحاكم إلى الطاغوت وتبديل حكم الله تعالى, وقد قال تعالى: **أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}.
ثالثا:أن مقصود الإمامة إقامة شريعة الله تعالى في جميع شؤون الحياة, وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله, ولتحقيق المقصود من الإمامة جاءت الشريعة بالشروط الواجب توفرها بالإمام كالعدالة والعلم والشجاعة وغيرها من الشروط, وعمل أهل الحل والعقد في هذه الحالة هو اختيار أفضل من توفرت فيه شروط الإمامة، فعملهم يشبه عمل القضاة في مجلس القضاء، فيتبعون العدل والحق في الاختيار ولا يتبعون أهواءهم.
و أما الانتخابات العامة فهي قائمة على أهواء الناس وشهواتهم, فأكثر الناس إنما ينتخبون من يحقق أهواءهم دون التفات منهم إلى شروط الإمامة, والله تعالى أمرنا باتباع أمره، وأن لا نتبع أهواء الناس, فقال تعالى: **وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.
وقال تعالى: **وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
وقال تعالى: **ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ}.
وقال تعالى: **بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ. مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.
رابعا:أن الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته كما قال تعالى: **وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}, وشروط الإمامة في الشريعة جاءت لتحقيق هذه الغاية, وأما الانتخابات الديمقراطية العامة فتلغي هذه الشروط ويتم الاختيار بحسب أهواء الناس كما تقدم, وفي هذا مضادة لله تعالى في أمره وعبوديته التي خلق الخلق لأجلها.
خامسا:لقد بين الله تعالى أن الأغلبية من الناس لا تتمسك بطاعته، ولا ترغب في شريعته وحكمه، بل تبتغي حكم الجاهلية، كما قال تعالى: **وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
وقال تعالى: **إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
وقال تعالى: **كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ. ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}, وغيرها من الآيات التي تدل على تنكب أكثر الناس عن شرع الله وميلهم عن صراطه المستقيم, فكيف يعلق مصير حكم الله في الأرض بهذه الأكثرية، التي تبتغي حكم الجاهلية وتعرض عن حكم الله تعالى.
سادساً:أن الإسلام لا يسوي في الدنيا ولا في الآخرة بين العالم والجاهل, والمسلم والكافر, والصالح والفاسق, وأما النظام الانتخابي الديمقراطي فيسوي بين جميع هؤلاء في حق التصويت والترشيح في الانتخابات, وقد قال الله تعالى: **أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
وقال تعالى: **أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
وقال تعالى: **أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ}.
وقال تعالى: **وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّار}.
وقال تعالى: **أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
وقال تعالى: **أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}, وغيرها من الآيات.
سابعا:أن مبدأ الانتخابات العامة قد لبس على كثير من الناس مفهوم الشرعية, فأصبح الكثير منهم يرى أن الشرعية تستمد من أغلبية الناس، وليس من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الضلال في مفهوم الشرعية الذي وقع فيه الكثير هو بسبب الشرك بالديمقراطية والتحاكم إليها.
ثامنا:قال الله تعالى: **أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَق كَارِهُونَ. وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}،فتدل الآيتان على أن أكثرية الناس يكرهون الحق، فكيف تجعل هذه الأكثرية الكارهة للحق هي المرجع في اختيار الإمام، الذي يقيم دولة الإسلام.
وتدلان على أن الأكثرية يتبعون أهواءهم، وهذا هو واقع الانتخابات العامة، فإنها قائمة على أهواء الناس ورغباتهم وشهواتهم.
وتدلان على أن الحق لو اتبع أهواء الناس لفسد العالم، وفسدت الدولة الإسلامية وعمها الاضطراب والفوضى.
وتدلان على أن الرجوع إلى أهواء الأكثرية في الانتخابات العامة هو من الإفساد في الأرض، وليس من الإصلاح.
وتدلان على أن الأكثرية معرضة عن القرآن، فكيف يرجى من هذه الأغلبية المعرضة عن كتاب الله أن تعدل بعدل القرآن، وتحكم بحكمه في اختيار الإمام العام، وأن تختار من يقودها بكتاب الله.
تاسعا:قال الله تعالى: **وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ.أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ. وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}, أخرج ابن جرير عن عكرمة وعن مجاهد في قوله تعالى: **زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}قالا: " تزيين الباطل بالألسنة ", وقال ابن جرير رحمه الله " وأما الغرور: فإنه ما غرّ الإنسان فخدعه فصده عن الصواب إلى الخطأ ومن الحقّ إلى الباطل", فهؤلاء الشياطين أعداء الأنبياء يوحي بعضهم إلى بعض الأقوال المزخرفة المزينة: كالديمقراطية والانتخابات والحرية ونحوها, وتذاع هذه الأقوال المزخرفة ويروج لها ويُدعى الناس إليها في وسائل الإعلام وفي الهيئات والمحافل والجامعات والمدارس وغيرها, ويغتر بزخرفها وينخدع ببريقها والضجة التي حولها من لا يؤمن بالآخرة، فيصغي إليها ويرضى بها عقيدة له, ويقترف ما يقترف من الذنوب بسب هذا الإصغاء والميل إليها واتخاذها سبيلا ومنهجا.
وهذا حال من زاغوا إلى الديمقراطية، فأول أوصافهم أن هؤلاء الديمقراطيين الذين لا يؤمنون بالآخرة قد صغت أفئدتهم ومالت إلى دعاة الديمقراطية وإلى أقوالهم المزخرفة, وأما وصفهم الثاني فهو رضاهم بالديمقراطية عقيدة ومنهجا, والوصف الثالث أنهم يقترفون من الكفر والآثام ما هم مقترفون بسب إصغائهم للأقوال المزخرفة والرضا بها, كما قال تعالى: **وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}.
فهجروا كتاب الله تعالى وأعرضوا عنه، واتبعوا الأقوال المزخرفة المضللة, فلهم نصيب من قوله تعالى: **وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}، وقوله تعالى: **وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً. يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً. لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً}.
وقوله: **أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً}, أي قل: أغير الله تبارك وتعالى أبتغي وأطلب حكما أتحاكم إليه وأنقاد لحكمه, فإن غير الله ليس لهم الحكم والتشريع، بل الواجب على العباد الانقياد لأمر الله وحكمه.
ثم قال تعالى: **وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً}, وقد فصل الله تعالى فيه جميع الأحكام في سائر شؤون الحياة, كما قال تعالى: **وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ}, وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: "إن الله أنزل في هذا الكتاب تبيانا لكل شيء، ولقد عملنا بعضا مما بين لنا في القرآن، ثم تلا: **وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ}، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من أراد العلم فليقرأ القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله" أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، ومن الأحكام المفصلة المبينة في شرع الله تعالى الطريقة الشرعية في اختيار الإمام العام وأهل الشورى:
ثم بين الله تعالى أن أحكامه كلها عدل، فقال تعالى: **وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}, أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام, وكل ما خالف شرع الله تعالى فهو ظلم, ومن العدل الذي جاءت به الشريعة الإسلامية أن لا يسوى المسلم بالكافر, والصالح بالفاسق في الشهادة أو في اختيار الإمام وغيرها, وأما الديمقراطيون الظالمون فيسوون بين الجميع في اختيار الحاكم.
ثم قال: **وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}, وهذا إبطال للانتخابات العامة, فإن أغلب الناس لو أطاعهم المؤمن لأضلوه عن سبيل الله, فكيف تجعل هذه الأغلبية الضالة المضلة عن سبيل الله المرجع في اختيار أولى الناس بالإمامة العامة.
فصل: في عزل الإمام
إذا طرأ على الحاكم الكفر البواح الظاهر الذي دل الكتاب والسنة على أنه من الكفر البواح، فقد خرج عن الإمامة، ويجب في هذه الحالة عزل الحاكم والخروج عليه بالقوة عند وجود القدرة، كما في حديث عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضي اللَّه عنه قال: "بايعنا رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على السَّمعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ وَاليُسْرِ والمَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وَعلى أَثَرَةٍ عَليْنَا، وعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدكُمْ مِنَ اللَّه تعالَى فيه بُرهانٌ، وعلى أن نقول بالحقِّ أينَما كُنَّا، لا نخافُ في اللَّه لَوْمةَ لائمٍ "متفقٌ عليه، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها "(1)، وقال الإمام النووي رحمه الله: "قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: كذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها"(2). وقال الإمام ابن كثير رحمه الله عند قول الله تعالى: **أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}, " ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: **أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، **وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء"(1).
والكفر البواح هو البين الواضح كتحكيم غير شرع الله في البلاد أو التحاكم لغير شرع الله كالقوانين أو الهيئات كهيئة الأمم المتحدة ونحوها، أو التشريع وسن القوانين، أو موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين أو ترك الصلاة أو صرف العبادة لغير الله كدعاء الأموات والاستغاثة بهم أو غيرها من نواقض الإسلام التي إذا فعلها الحاكم فقد ارتكب كفرا بواحا مما يوجب الحكم بردته وخلعه والخروج عليه.
فإذا لم توجد القدرة على خلعه بالقوة فالواجب أن يبين للناس بطلان ولايته على المسلمين وأن لا يطاع، ولا يعاون بما يدعم ويقوي حكومته المتسلطة على المسلمين، وأن يسعى المسلمون في حالة العجز عن قتاله إلى إعداد العدة حتى تحصل القدرة على جهاده وعزله بالقوة، وقد قال تعالى: **فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}, وقال تعالى: **وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّة}، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(2).
وأما إذا طرأ على الإمام العام الفسق فلا يجوز الخروج عليه بالقوة ، التي قد يترتب عليها من المفاسد والمنكرات والفتن ما هو أعظم من المنكر الذي قصد إزالته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من كره من أميره شيئا فليصبر, فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية" متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها"قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم"متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم, وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم"قالوا قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة"رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة"رواه مسلم، وترك الخروج عليه لا يعني السكوت عن فسقه وما يرتكبه من منكرات, بل الواجب نصحه والإنكار عليه ومحاسبته ومحاكمته, وألا يطاع ولا يعاون في معصية الله تعالى، وقد تقدم الكلام في هذا.
وإذا أمكن عزل الإمام الذي طرأ عليه الفسق دون وقوع قتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم من مفسدة إبقائه ففي هذه الحالة يجب أن يعزل, ويولى على المسلمين أفضل من توفرت فيه الشروط الشرعية, قال الحافظ ابن حجر رخمه الله: "ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر"(1)، ويرجح هذا القول ما يلي:
أولا:أن النصوص الشرعية العامة أوجبت الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب القدرة والاستطاعة، وقد أخبر الله تعالى عن شعيب عليه الصلاة والسلام أنه قال: **إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}, وقال تعالى: **فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}, وعن أَبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي اللَّه عنه قال: سمِعْتُ رسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنْكراً فَلْيغيِّرْهُ بِيَدهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطعْ فبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلبهِ، وَذَلَكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ" رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب"رواه أبو داود, وفسق الحاكم من المنكرات الكبيرة التي تؤدي إلى انتشار الفساد والظلم في الأمة, فإذا وجدت القدرة على إزالة هذا المنكر المتمثل بولاية الفاسق فيجب أن يعزل لعموم الأدلة.
ثانيا:أن في عزل الإمام الفاسق وتعيين الإمام العادل دون حدوث فتنة وإراقة دماء, مصلحة كبيرة لا تأتي الشريعة بإلغائها, وتوجب ترك الحاكم الفاسق إماما عاما للمسلمين, مع ما يترتب على بقائه من المفاسد العظيمة, قال القرطبي رحمه الله: "الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد، فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره, وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها، فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله, ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله "(1), وسواء قصد القرطبي رحمه الله بكلامه خلع الحاكم الفاسق بالخروج عليه بالقوة والقتال أو قصد خلعه بدون قتال ومفسدة أعظم, فليس هذا هو المقصود من نقل كلامه, وإنما محل الشاهد من كلامه والمقصود منه هو قوله: "فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الأبتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله", وما قاله حق فإن عزل الحاكم الذي طرأ عليه الفسق هو وفق القياس وجاري مع الأصل الذي منع لأجله الفاسق من تولي الإمامة ابتداءً.
ثالثا:أن من المعلوم في الشريعة الإسلامية أن الولاة والوزراء والقضاة إذا ظهر من أحدهم الفسق والخيانة مع وجود الأولى فإنه يعزل تحقيقا للمصلحة والعدل ودرءاً للفساد والظلم, فإذا كان عزل هؤلاء واجبا فكذلك الإمام العام يعزل لفسقه من باب أولى, فإن المفسدة ببقائه أعظم من مفسدة إبقاء غيره من الولاة الذين ظهر عليهم الفسق.
رابعا:أن الفسق قد يتدرج بالحاكم إلى الاستبداد بالأمر وتعيين الموالين له في قيادة الجيش والولايات حتى لا يقدر أحد على محاسبته ومحاكمته، ثم يرتكب بعد ذلك هو ومن معه أنواعا من الفساد والظلم وربما الكفر، كما قد وقع في بعض الحالات، ولا يستطيع المسلمون بعد ذلك عزله لعدم القدرة، فإذا كان الفسق قد يتدرج بالحاكم إلى الظلم العظيم والكفر فينبغي سد الذريعة الموصلة إلى الكفر وحسم الشر في أوله بعزل الحاكم الفاسق مع القدرة، وتعيين إمام عادل.
خامسا: من القواعد الشرعية " أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " فإذا كان في بقاء الحاكم الفاسق تركا للواجبات وفعلا للمحرمات وقد أمكن عزله دون مفسدة فيجب أن يعزل. [2]
سادسا:أن من منع الخروج بالقوة على الحاكم الفاسق قد علل المنع بحصول مفسدة أعظم من المفسدة التي يراد إنكارها، وهذه العلة منتفية مع العزل بالفسق دون حدوث فتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم, والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
و يكون عزل الحاكم الفاسق ممكنا إذا كان ولاء الولاة والوزراء والقضاة والقادة والجنود لله تبارك وتعالى ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: **إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}ففي هذه الحالة لن يستطيع الإمام الذي طرأ عليه الفسق الممانعة والاحتماء بالجند وغيرهم.
وهذا الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين من أعظم الواجبات التي يجب أن يرسخها العلماء والقادة وغيرهم في الأمة، ويأتي في باب سياسات احترازية زيادة تفصيل.
باب: الجهاد والإعداد
فصل: الجهاد في سبيل الله
لقد خلق الله تعالى الخلق لغاية واحدة، وهي عبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: **وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، وختم الرسالات بدين الإسلام, الذي لا يقبل من أحد سواه, كما قال تعالى: **إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، وقال تعالى: **وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}، فالخلق خلق الله تعالى وعبيده, والأرض أرض الله, كما قال الله تعالى: **قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، وقال تعالى **وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}, وليست الأرض ملكا وحقاً للطواغيت الذين يتسلطون على قطعة من الأرض هنا أو هناك, ويستعبدون أهلها.
فقارة أمريكا الشمالية مثلا, أو قارة أمريكا الجنوبية, أو غيرها من القارات هي أرض لله تعالى الذي له ملك السماوات والأرض, ومن يسكن في هذه القارات من الناس هم خلق الله تعالى, خلقهم لعبادته وحده لا شريك له, ولم يخلقهم لتستعبدهم الأحزاب السياسية الكافرة, فإذا تيقن المسلم بهذا الأصل من أصول الاعتقاد تبين له نعمة الله تعالى على العباد, ورحمته بهم إذ شرع جهاد الطلب وهو قتال الكفار في قعر دارهم لتكون كلمة الله هي العليا, وتحرر الأرض من استيلاء الطواغيت عليها, ويحرر الناس من العبودية لغير الله تعالى.
وقد دل على جهاد الطلب, وابتداء الكفار بالقتال, الكتاب والسنة والإجماع, فأما الكتاب, فقال الله تعالى: **وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ}, وقال تعالى: **قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}, وغيرها من الآيات, وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى" رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم"رواه أحمد, وغيرها من الأحاديث, وقد أجمع علماء الأمة على جهاد الطلب, وهو من أظهر الإجماعات وأبينها.
فقد تواترت على جهاد الطلب نصوص الكتاب والسنة ودلت عليه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته, كما دلت عليه أقوال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم وجهادهم وفتوحاتهم, ومضى على هذا من اتبعهم بإحسان إلى يومنا هذا, فمن تدبر أقوال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم, وغزواتهم وفتوحاتهم,, وتدبر آثار فتوحاتهم التي لا تزال باقية وشاهدة إلى اليوم, ودخول الناس في دين الله أفواجا من أطراف الصين إلى المغرب, حصل له بمجموع ذلك علم ضروري أن هذا الإجماع من أبين الإجماعات وأظهرها, قال ابن النحاس رحمه الله: "اعلم أن جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية باتفاق العلماء. وحكي عن ابن المسيب وابن شبرمة أنه فرض عين"(1).
و قال الشربيني رحمه الله: "( فللكفار حالان أحدهما يكونون ببلادهم ) مستقرين بها غير قاصدين شيئا من بلاد المسلمين ( ففرض كفاية ) كما دل عليه سير الخلفاء الراشدين وحكا القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع"(1)، ونقل ابن عطية رحمه الله الإجماع في كتابه المحرر الوجيز.
فكل من قرأ من صغار المسلمين أو كبارهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, وسيرة الصحابة رضي الله عنهم, وجهادهم وفتوحاتهم, تيقن بداهة أن جهادهم لإقامة دين الله في الأرض وإبلاغ الدعوة للناس, ولا يتبادر إلى ذهن أحدهم عندما يقرأ في فتوحات الأندلس مثلا, أن المسلمين فتحوها دفاعا عن دولة الإسلام, لأن ساكنيها كانوا يشكلون خطرا وتهديدا للدولة الإسلامية, ولو تحاشى ساكنوها تهديد المسلمين ودولتهم لما فتحها المسلمون.
فجهاد الطلب من الأمور الواضحة البينة, ومن المقررات عند علماء المسلمين وعوامهم, وقد مضى المسلمون على هذا, حتى أظهر في زماننا بعض المهزومين المبتدعة القول بإنكار جهاد الطلب وأن الجهاد في الإسلام إنما هو جهاد دفع فقط, وخالفوا بهذا كتاب الله تعالى, وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, والإجماع, واتبعوا المتشابه وحرفوا الكلم عن مواضعه وافتروا على الله الكذب وأنكروا فريضة من فرائض الله, وجعلوا لله شركاء في أرضه وخلقه, فغاية قولهم أن طواغيت الكفار وأحزابهم السياسية من حقهم أن يتسلطوا على أجزاء من أرض الله ويحكموا فيها, ومن حقهم أن يستعبدوا الشعوب التي تحت تسلطهم وقهرهم, كقول الذين قال الله تعالى عنهم: **وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}، فتأمل قوله تعالى **مِمَّا ذَرَأَ}، أي مما خلق، فهو تبارك وتعالى خالق كل شيء، والمشركون يجعلون له من خلقه جزءا،كما قال تعالى **وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}.
وقد زل أيضا في هذا القول المنكر, والفرية العظيمة بعض أهل العلم الذين يظن فيهم الخير والدعوة إلى الحق حين استمعوا إلى شبهات المهزومين المفترين, وأعرضوا عن الكتاب والسنة والإجماع, فحصل لهم الضلال بحسب إعراضهم.
وأما حكم جهاد الطلب فهو فرض كفاية يفعل بحسب القدرة والإمكان, وقد قال الله تعالى: **فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}, ومن فرض الكفاية تحصين الثغور وحمايتها, بمن تحصل بهم الكفاية من الجنود.
و أما الحالات التي يتعين فيها الجهاد فهي ثلاث حالات:
أولها:إذا استنفر الإمام فردا أو جماعة, فيجب على من استنفره أن ينفر للجهاد لقول الله تعالى: **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ. إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
و قال صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" رواه البخاري ومسلم.
و الثانية:إذا حضر المسلم في الصف للقتال, وقد قال الله تعالى: **يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ. وَمَن يُوَلهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرفاً لقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ منَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}.
و الثالثة:أن يعتدي الكفار على بلد من بلاد المسلمين, ففي هذه الحالة يتعين الجهاد بالإجماع, وهو من أعظم الواجبات وآكدها وهو جهاد الدفع, فيجب الجهاد على أهل البلد التي اعتدى عليها الكفار أو المرتدون, ويتوسع الوجوب على الأقرب فالأقرب, حتى تحصل الكفاية ويدفع العدو, فإن بلاد المسلمين بمنزلة الأرض الواحدة, فلا عبرة في زمانا هذا بالحدود المصطنعة في بلاد المسلمين التي اختطها الصليبيون المستعمرون وعملاؤهم لتمزيق الأمة وإضعافها, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية " وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان " وقال: "وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم"(1), وقال ابن عبد البر رحمه الله: "فرض عام متعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار، وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محاربا لهم، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا وشبابا وشيوخا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج اليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها، واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه"(2).
والجهاد في وقتنا في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها هو من جهاد الدفع، وهو من آكد الواجبات وأعظمها، فيجب على أهل البلد التي اعتدى عليها الكفار أن يجاهدوا المعتدين ويدفعوهم ويتوسع الوجوب على الأقرب فالأقرب ممن حولهم من المسلمين.
ومن أخطر أنواع العدوان التي تواجهها الأمة في وقتنا هذا الحملة الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة التي احتلت أفغانستان والعراق، وهي راغبة في المزيد من العدوان على المسلمين في دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأراضيهم، وكل من عرف حقيقة هذه الحملة يعلم أن أهدافها تتجاوز العراق فهي تستهدف فرض الكفر على الأمة من خلال مشروعها المسمى " بالشرق الأوسط الكبير"، واستباحة بلاد المسلمين ونهب خيراتها ونفطها، وهي ساعية إلى تحقيق أهدافها بالترهيب العسكري والترهيب الإقتصادي والترهيب الإعلامي، إلا أن مخططات الصليبين أصيبت بنكسة عظيمة في العراق بفضل الله تعالى حيث قام لجهادهم ولدفعهم المجاهدون الصادقون الذين تصدوا لعدوانهم وألحقوا بهم هزائم وخسائر كبيرة.
فالجهاد في العراق فرصة تاريخية عظيمة يجب على المجاهدين وأهل العلم الصادقين انتهازها والظفر بها، فإن هزيمة الصليبيين في العراق لها آثارها الكبيرة والتاريخية على المنطقة والأمة كلها، ومنها إيقاف الزحف الصليبي الشامل الذي يهدف إلى اكتساح الأمة واستباحتها، ومنها طردهم من العراق وتطهيره من رجسهم وكفرهم، ومنها إقامة دولة الإسلام في بلاد الرافدين، ومنها أن هزيمة الصليبيين في العراق لها تداعياتها الكبيرة وآثارها العظيمة في نصرة المسلمين المجاهدين في فلسطين وأفغانستان، فمن أمضوا العقود في التحسر على فلسطين والمسجد الأقصى، والعجز عن الوصول إلى الأرض المباركة فها هي الفرصة قد حانت، فالصهاينة من النصارى البروستانت واليهود بمتناول اليد في بلاد الرافدين، فهاهم دونكم فخذوهم واحصروهم وأكثروا فيهم من التقتيل والإثخان.
ومنها أن الشبكة من الدويلات العميلة التي أسسها الصليبيون من خلال اتفاقية "سايكس بيكو " ومثيلاتها لحماية أطماعهم وأهدافهم في المنطقة، وحماية دولة اليهود في فلسطين وحفظ حدودها من أي محاولة للدفاع عن الأقصى ونصرة المسلمين المستضعفين، سوف تهتز أنظمتها الحاكمة هزة عظيمة بإذن الله تعالى إذا رأوا آمرتهم وحاميتهم الولايات المتحدة قد هزمت هزيمة ساحقة ومدمرة على أرض رافدين، واهتزاز هذه الدويلات ضرورة لكسر طوق الحماية حول دولة اليهود في فلسطين، ونصرة المسلمين هناك، وربما كانت تلك الهزة بإذن الله البداية التاريخية لزوال هذه الدويلات العميلة أو بالأحرى المستعمرات التي أصبحت قواعد انطلاق للحملة الصليبية على الإسلام والمسلمين.
إن تاريخ الأمة خط بهدي الإسلام وبدماء المجاهدين والشهداء، ولو كان الإسلام مجرد كلمات حق تقال دون قوة تحمي كلمة الحق وتنصرها لما قامت للإسلام دولة، بل الإسلام دين واقعي قد جمع بين الكتاب الهادي والجهاد الذي ينصر شريعة الكتاب، فهذه حقيقة يجب أن يدركها كل مسلم فعندما تكون عالما أو طبيبا أو مهندسا لا يمكن أن تبني حضارة إن لم تكن قبل ذلك مسلما صادقا مجاهدا، عندها فقط تستطيع أن تقيم دولة وتبني حضارة إذا كنت مجاهدا عالما أو مجاهدا طبيبا أو مجاهدا مهندسا، فإذا كان المسلمون يجاهدون في سبيل الله وفيهم العالم والطبيب والمهندس وغيرهم من أهل الاختصاص بعد ذلك فقط يقيمون دولة الإسلام ويبنون حضارة حقيقية، لأنهم بجهادهم في سبيل الله يحمون دولتهم وحضارتهم، وأما بدون الجهاد في سبيل الله فسوف يتخطفهم الأعداء، ويحكمون بلادهم، ويتداعون عليهم من كل صوب، ويستبيحون نفطهم ومعادنهم وخيراتهم.
والواجب على المجاهدين وعموم المسلمين أن يستبينوا سبيل المجرمين الصليبيين، وأن يعرفوا أساليبهم في المكر بالشعوب وتطويعها والسيطرة عليها واستباحة خيراتها، وهي أساليب مكررة استخدمها البريطانيون وغيرهم من المستعمرين في الماضي، ويستخدمها الآن الصليبيون من الأمريكان والبريطانيين وحلفائهم في أفغانستان والعراق وغيرها وقد قال صلى الله عليه وسلم "لايلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"متفق عليه.
فمن أساليب الغزاة المحتلين أن يستخدموا الشعارات المزخرفة المزينة المضللة: كالديمقراطية والحرية وغيرها كغطاء لأهدافهم الشريرة اللئيمة، وإجرامهم المبيت الدفين وقد قال تعالى: **قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، فيتوصلون من خلال صنيعتهم الديمقراطية إلى السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية على بلاد المسلمين.
ومن أساليبهم أن يستخدموا الديمقراطية لتمزيق الأمة وإضعافها من خلال الأحزاب اللادينية المرتبطة بالغزاة المحتلين، التي تنادي بالردة البواح والعصبية القومية المقيتة، فهذا الحزب ينادي بالاشتراكية بديلا عن الإسلام، وذاك ينادي بالشيوعية، والآخر ينادي بالديمقراطية، والرابع ينادي بالقومية، وهلم جرا من الشعارات والمسميات، التي أدت بالأمة إلى التمزق والتشرذم والضعف، وشتت صف المسلمين، وصدت عن الإيمان والجهاد في سبيل الله، وهي بهذا هيأت البلاد ومهدتها للاحتلال ثم تعاونت مع المحتلين في تضليل الناس وإشغالهم - بالديمقراطية وشعاراتها وانتخاباتها واستفتاءاتها العامة وغيرها من الضلالات وتوافه الأمور- عن واقع الاحتلال وخطره عن الأمة، وتبرر هذه الأحزاب جرائم المحتلين، وتقوم بالدعاية والترويج لبرامجهم وأهدافهم، وتدافع عن عملاء الاحتلال المرتدين من سياسيين أو إعلاميين أو عسكريين، وتشن حربا جائرة على كل مسلم يسعى لدفع الصليبيين وتطهير البلاد من كفرهم وخبثهم ثم بعد جلاء الاحتلال عن البلاد تتولى هذه الأحزاب مواصلة ما بدأه الغزاة.
ومن أساليب الغزاة أن يقدموا عملاءهم كوزراء ومسئولين ثم يوجهون في الخفاء من خلال المستشارين وغيرهم من اليهود والنصارى الذين يملون عليهم سياسة البلاد.
ومن أساليب الغزاة المستعمرين: أن يفرضوا على الشعب الذي تحت الاحتلال النظام اللاديني ( العلماني) بالقوة والقهر، وبعد أن يستقر النظام الذي ارتضوه وجاءوا به، يدعون الناس أن ينتخبوا رئيسا لهم من المرشحين الديمقراطيين بعد أن ضمنوا أن اختيار الشعب لن يخرج عن النظام العلماني الذي جاءوا به، وعن عملائهم المرشحين للرئاسة.
ومن أساليب الغزاة: أن يستخدموا الديمقراطية التي هي من أغلظ أنواع الكفر بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم لمحاربة المسلمين في دينهم الذي هو مصدر عزتهم وقوتهم، فتحت شعار الديمقراطية والحرية تفتح أبواب الكفر على مصراعيها، وتستباح الفواحش كالزنا واللواط والسحاق وما يسمونه بزواج المثليين وغيرها من القبائح والرذائل.
و من أساليب الغزاة المستعمرين أن يستخدموا الطوائف المعادية للأمة المتغلغلة في داخلها لتحقيق أهدافهم كالرافضة السبئية والنصيريين والدروز والنصارى كالموارنة والأقباط والأنظمة والأحزاب العميلة المرتدة ، ويستخدموا شعار حقوق الأقليات للتدخل في شؤون الآخرين.
ومن أساليب الغزاة الصليبين: أن يزجوا بعملائهم المرتدين في المواجهات والمعارك مع المجاهدين لتقليل الخسائر في صفوفهم ، فلا ضير عندهم أن تسيل دماء العملاء الرخيصة إذا كان هذا في حماية جنودهم.
و من أساليب المحتلين وأخطرها وأخفاها: أن الغزاة يستعدون لجميع الاحتمالات ومنها إخراجهم بالقوة من البلاد التي اغتصبوها، ولهذا فهم يستعدون لهذه المرحلة بمحاولة إبراز شخصيات تتوافق معهم عقائديا وفكريا، ويظهرونها في وسائل الإعلام كقيادات للمقاومة وللشعب، حتى يضمنوا قبول الكثير من الناس لها والتفافهم حولها، ثم يتفاوضون معها ويسلمونها السلطة في البلاد، وقد يذهبون إلى أبعد من هذا فيبحثون عن بعض المنافقين المندسين بين صفوف المجاهدين ليسلموهم البلاد بعد أن يضمنوا قيامهم بتحقيق أهدافهم ومحاربتهم للإسلام وغدرهم بالمجاهدين الصادقين.
والغزاة لهم من أساليب المكر والدهاء التي قد تنطلي على البعض لشق صف المجاهدين والتفريق بينهم، ومن ذلك أن يسموا البعض بالمقاومة أو بالمقاومة الوطنية ويسموا بقية المجاهدين بالإرهابيين حتى يستميلوا من يسمونهم بالمقاومة إليهم ويبعدوهم عن المجاهدين، وسوف يجدون من المذبذبين الخائفين من الوصف بالإرهاب من يستجيب لمكرهم ويرضى لنفسه أن يكون أضحوكة وألعوبة للصليبيين الغزاة.
ومن أساليب الصليبيين أن يسعوا لحصر المعركة في بلاد المسلمين، وهو ما يدعو إليه قائدهم جورج بوش، والواجب على المجاهدين ألا يقتصروا على جهاد الصليبيين في بلاد المسلمين فحسب، بل لا بد أيضا من جهادهم في دولهم ونقل المعركة إلى مدنهم، وهذا من أعظم ما يخشاه الصليبيون الذين اعتادوا حياة التنعم والمتعة، فلا يتحملون أن ينغص عليهم عيشهم، وأن يسيطر عليهم في تصرفاتهم وتقلباتهم اليومية الشعور بالرعب والخوف والترقب.
فنقل المعركة إلى أرض العدو، ومسهم بلظى الحرب في دارهم له آثاره الكبيرة والمزلزلة للأعداء التي تصيبهم في مناحي حياتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية والنفسية.
وعلى المجاهدين أن يجتهدوا في دعوة المسلمين إلى التوبة والاستقامة ، فإن الشدة والابتلاء تقرب الكثير من الناس في أرض الجهاد من الخير والصلاح، فيجب أن تكون دعوتهم أولا إلى توحيد الله تعالى واجتناب الشرك بأنواعه ومنها تحكيم غير شرع الله تعالى في البلاد، فإن من أهم الأمور أن يلتف المسلمون حول المجاهدين في السعي لإقامة شرع الله تعالى في الأرض حتى لا يجد المجاهدون أنفسهم بعد النصر على الأعداء دون مؤيدين وأنصار على إقامة دولة الإسلام، وحتى لا يخطف المرتدون ثمرة النصر ويقيموا حكومة كافرة بالله تعالى، وهذا يؤكد ضرورة نفير الكثير من أهل العلم إلى أرض الجهاد لا سيما في العراق لنصرة المسلمين ولدعوتهم وتبيين الحق لهم والدفاع عن قضيتهم.
فصل :الإعداد
لقد أمر الله تعالى بالإعداد للجهاد, والأخذ بجميع أساليب وأسباب القوة التي تخيف الأعداء وترهبهم وتردعهم, كما قال تعالى: **وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}, وقد جعل الله تعالى علة الحكم إرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين, فالعلة هي الإرهاب, والحكم وجوب إعداد القوة, والحكم يدور مع علته وجودا وعدما, أي أن كل ما يحصل به إرهاب الأعداء من أسباب القوة, فالأمة مأمورة بتحصيله, وهذا يختلف باختلاف الزمان, فكل زمان له ما يناسبه من الأسلحة, وأسباب القوة التي ترهب الأعداء.
فالحكم عام لعموم العلة, فيجب على الأمة أن تتخذ من الأسلحة, وأسباب القوة ما يرهب الأعداء ويخيفهم, كالرشاشات الصغيرة والكبيرة, والدبابات, والمدرعات, والطائرات, والسفن الحربية, وجميع الأسلحة البرية, والجوية, والبحرية, وكذلك الأسلحة النووية, والكيماوية, والجرثومية, لما فيها من إرهاب الأعداء, وردعهم عن العدوان على المسلمين بمثل هذه الأسلحة وغيرها, وقد بين تعالى في قوله: **تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}أن هذا الإرهاب موجه إلى أعداء الله وأعداء المسلمين من الكفار, وآخرين مختفين غير ظاهرين, وهم المنافقون, وليس موجها للمسلمين، كما يحاول الصليبيون وعملاؤهم المفترون أن يصوروه للناس في وسائل إعلامهم لغرض صد المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ونصرة المجاهدين, وإرهابهم بمصطلح الإرهاب.
والحق أن الأمة مقصرة في إعداد العدة الواجبة التي ترهب الأعداء, فلو كانت الأمة مرهوبة من أعدائها, لما استباحها الصليبيون واليهود وحلفاؤهم، وتداعوا من كل صوب على محاربتها واقتسام أراضيها, ونهب نفطها وخيراتها.
ومن وسائل الإعداد الواجبة التصنيع العسكري، وقد قال تعالى: **لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَينَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، فقوله تعالى: **وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}أي آلات الحرب والصناعات العسكرية بجميع أنواعها التي تصنع من الحديد، وقوله تعالى: **وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}أي سائر الصناعات النافعة من آلات وسيارات وأواني وغيرها، ثم قال تعالى: **وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ}، فأنزل الله تعالى الكتاب والحديد ابتلاءً للعباد حتى يتبين من ينصر الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام بالكتاب الهادي وبالسلاح الذي ينصر، فالكتاب يتضمن شرع الله والأوامر والنواهي، والجهاد يقيم شرع الله تعالى في الأرض وينصره، ولا تقوم دولة الإسلام إلا بالكتاب والجهاد، وهذا ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وسار عليه صحابته رضي الله عنهم من بعده، ومن أراد نصرة الإسلام بغير هذا الطريق فقد ضل سواء السبيل.
ومن الإعداد الواجب الإعداد الإيماني والتربوي بدعوة المسلمين إلى التوبة والإستقامة على طاعة الله تعالى، فإن المعاصي من أسباب الهزيمة كما قال الله تعالى: **أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ}كما يجب تحريض المسلمين على الجهاد، وطلب الاستشهاد في سبيل الله وتربيتهم على العزة والصبر والقوة والشدة على الكفار، كما قال تعالى: **فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً}، وقال تعالى **مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً منَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ منْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.
ومن الإعداد الواجب الإعداد البدني والتدريب العسكري لكل مسلم بالغ قادر حتى، يتعلم المسلم الرماية وفنون القتال واستعمال الأسلحة، فعنعُقْبةُ بنِ عامِرٍ الجُهَنيِّ، رضي اللَّه عَنْهُ، قال: سمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُوَ عَلى المِنْبرِ، يقولُ: "وَأَعِدُّوا لهُم ما استَطَعْتُم من قُوَّةٍ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ"رواه مسلم.
وعن عقبة بن عامر الجُهَنيِّ، رضي الله عنه قال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم "منْ عُلِّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تركَهُ، فَلَيس مِنَّا، أوْ فقَد عَصى"رواه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير وكانا يرميان فقال أحدهما لصاحبه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "كل شيء ليس من ذكرالله فهو لهو ولعب إلا أربع: ملاعبة الرجل امرأ ته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة"رواه النسائي. و" الغرضين" أي الهدفين.
وقال صلى الله عليه وسلم "عليكم بالرمي فإنه خير أو من خير لعبكم"رواه البزار والطبراني في الأوسط وقال "فإنه من خير لعبكم".
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناده إلى رافع بن سالم الهزاني قال: مر عمر بن الخطاب بنا فقال: "ارموا فإن الرمي عدة وجلادة".
وقال بلال بن سعد رحمه الله: أدركتهم يشتدون بين الأغراض ويضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانوا رهبانا " أخرجه ابن مبارك في الزهد وغيره.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال "سابق النبي صلى الله عليه وسلم بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق" متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي صلى الله في سفر قالت فسابقته فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال "هذه بتلك السبقة"رواه أبو داود وغيره.
وينبغي للحكومة الإسلامية أن توجه الرياضة إلى تحقيق المقاصد الشرعية العالية كما قال صلى الله عليه وسلم "إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها"رواه الحاكم وغيره، فيربى رجال الأمة على أن الرياضة من وسائل إعداد المجاهدين في سبيل الله الذين يحملون رسالة الإسلام، ويدافعون عن الإسلام والمسلمين، وليست كالرياضة في الحكومات الجاهلية التي جعلتها أداة للهزل واللعب والغفلة وإضاعة الأموال والأوقات.
فقد استخدم أعداء الإسلام اللاعبين والمفسدين من المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات وغيرهم، كأداة لإبعاد الناس عن التمسك بدينهم وإشغالهم بالمعاصي والموبقات وبتوافه الأمور وسفسافها، ويروجون في وسائل إعلامهم لهؤلاء المفسدين ويقدمونهم للناس كأبطال ونجوم وغيرها من الأقوال والأوصاف المزخرفة المضللة، لترسيخ الإعراض عن الإسلام والغفلة في المجتمع، وبهذا يحسب الطواغيت وأعوانهم أنهم قد أمنوا حكمهم من الزوال، وأن الجموع الغافلة طيعة وسهلة الإنقياد لهم.
والحكومة الإسلامية لا يجوز لها إضاعة المال العام في الرياضة التي الغرض منها مجرد اللعب وإضاعة الأوقات، وإنما عليها أن توجه الرعية إلى الرياضة النافعة التي تربي جيلا جادا صالحا مجاهدا.
ومع التوجيه الصحيح للرياضة فلا بأس أن يتخللها بعض اللعب المباح الذي تميل إليه بعض النفوس ولا يشغل عن طاعة الله تعالى ولا يحصل به إضاعة للمال العام، فإن هذا من السياسة الشرعية التي تراعي تفاوت الناس، وجاءت بما فيه تسكينهم وبما يقربهم من الصلاح.
والكلام الذي تقدم عن الرياضة هو متعلق بسياسة الحكومة الإسلامية، وأما أفراد الرعية فمن مارس منهم لعبا مباحا ولم ينشغل به عن طاعة الله فلا إنكار عليه.
فصل: الأخلاق والآداب في الجهاد
وفي هذا الفصل تذكر بعض الأخلاق والآداب في الجهاد على سبيل الاختصار.
و أولها: الإحسان إلى الكفار الذين لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم:
لقد نهى الله تعالى المسلم عن مولاة الكفار ومودتهم فقال تعالى: **يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}،فقوله تعالى: **وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}أي كافر مثلهم: كالذين يعاونون الصليبين ويظاهرونهم على المسلمين في العراق أو أفغانستان أو غيرها، وقال تعالى: **تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، فدلت الآيتان على انتفاء الإيمان عن الذين يوالون الكفار كالأمريكان وغيرهم، فانتفاء الشرط يدل على انتفاء المشروط وهو الإيمان. [3]
وقال تعالى في تحريم مودتهم **لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ منْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}،وأجاز الله تعالى للمسلم أن يحسن إلى الكفار من أقاربه أو غيرهم ويصلهم إذا لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم، فقال تعالى **لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}، قال ابن جرير: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم لأن الله عز وجل عم بقوله الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضا دون بعض ولا معنى لقول من قال ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولانسب غير محرم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح"(1)، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء قالت: قدمت علي أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبةٌ، أفأصل أمي؟ قال: "نعم صلي أمك"متفق عليه، وقال ابن القيم رحمه الله: "فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة"(1).
وقال تعالى في بر المسلم لأبويه الكافرين: **وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: "بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فيها فَشَربَ، ثُمَّ خرج فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فقال الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه".قَالُوا: يا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً فَقَالَ: "في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ" متفقٌ عليه. والكبد الرطبة أي الحية كالحيوان، ويدخل في عموم الحديث الكافر الذمي والمعاهد والأسير كما قال تعالى **وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}.
الثاني: حكم قتل نساء الكفار المحاربين وأطفالهم وشيوخهم:
لا يجوز في الإسلام قتل نساء الكفار المحاربين أو أطفالهم أو شيوخهم قصدا، وكذا لا يجوز قتل الزمن أو الأعمى أو المعتوه أو الراهب الذي يعتزل أهل دينه في صومعته، ولا يعينهم على المسلمين، ولذا فلا يعرف بفضل الله تعالى في تاريخ المسلمين المجاهدين، وفي الفتوحات الإسلامية أن ارتكبت إبادات جماعية في حق نساء الكفار المحاربين وأطفالهم وشيوخهم، وأما الصليبيون واليهود فتاريخهم مليء بالجرائم والإبادات الجماعية إلى وقتنا هذا، كما في أفغانستان والبوسنة وكوسوفا وفلسطين والشيشان والعراق وغيرها، وقد قال تعالى: **وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}، وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن يحيى بن يحيى الغساني قال كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن هذه الآية: **وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}فكتب إلي أن ذلك في النساء والذرية من لم ينصب لك الحرب منهم"، وقال الإمام ابن كثير رحمه الله" وقوله **وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}أي قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحسن البصري من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم والرهبان وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم "(1)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما" أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر قتل النساء والصبيان " متفق عليه، وعن رباح بن ربيع قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا، فقال: "انظر علام اجتمع هؤلاء؟"فجاء فقال على امرأة قتيل فقال: "ما كانت هذه لتقاتل"قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال قل لخالد "لا يقتلن امرأة ولا عسيفا"رواه أبو داود وغيره.
وعن بريدة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا".أخرجه مسلم.وفيه النهي عن الغلول، وحرمة الغدر ونقض العهد، وتحريم التمثيل بالقتيل بتشويهه كقطع أطرافه أو جدع أنفه أو أذنه وهو ما يفعله الصليبيون الأمريكان والروس وغيرهم، والوليد المنهي عن قتله هو الصبي الذي لم يبلغ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال "اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع"رواه أحمد، وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون الاسكندراني ثنا الوليد بن مسلم ثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه كان في عهد أبى بكر رضى الله عنه إلى الناس حين وجههم الى الشام قال: "إنكم ستجدون قوماً محلوقة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول**فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ}"، وهم الشمامسة من رؤساء النصارى فهؤلاء أمر بقتلهم وحرض عليه،، وقال ابن عبد البر "الشمامسة هم أصحاب الديانات والرهبان المخالطون للناس من أهل دينهم وغير دينهم وفيهم الرأي والمكيدة والعون بما أمكنهم وليسوا كالرهبان الفارين عن الناس المعتزلين لهم في الصوامع "(1)، ومثل هؤلاء من أئمة الكفر المأمور بقتلهم من رافقوا الحملة الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة لتحريض الجنود على قتال المسلمين في العراق أو للدعوة إلى النصرانية.
وأما إذا قاتلت المرأة من أهل الحرب أو قاتل الصبي أو الشيخ الهرم فيقتلون في هذه الحالة، وكذا إذا حرضوا الكفار المحاربين على القتال أو شاركوا بالرأي، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا... وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال، لأنها في حكم المقاتل، وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع من قتله منهم"(1).
وإذا لم يتمكن المجاهدون من قتل الكفار المحاربين إلا بقتل نسائهم وأطفالهم وشيوخهم، كما لو كانوا مختلطين بهم، ولا يمكن التمييز بينهم، كما في البيات، أو قصف مواقعهم وحصونهم، أو لتترس بهم، وكذا العمليات الاستشهادية التي تستهدف المحاربين منهم وقد يصاب فيها من يخالطهم من نسائهم أو أطفالهم أو شيوخهم، ففي كل هذه الحالات يجوز قتل نساء المحاربين وأطفالهم وشيوخهم تبعا لا قصدا، ويقصد في مثل هذه الحالات قتل المقاتلين دون غيرهم،فعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذرا ريهم، فقال "هم منهم"متفق عليه، والبيات هو الغارة ليلا فلايمكن التمييز بين الكفار المقاتلين وبين نسائهم وذرا ريهم.
الثالث: الوفاء بالعهود:
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بوجوب الوفاء بالعهود والعقود، وحرمة الغدر، فقال تعالى: **يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}، وقال تعالى: **وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}، وقال تعالى: **وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي، حسيل. قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدا فقلنا: ما نريده. ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر. فقال "انصرفا. نفي بعهدهم، ونستعين الله عليهم"رواه مسلم، وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما، أنَّ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: "أرْبع مِنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً. ومنْ كَانَتْ فِيه خَصلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِن النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذا اؤُتُمِنَ خَان، وإذَا حدَّثَ كذَبَ، وَإذا عَاهَدَ غَدَر، وَإذا خَاصَم فَجَرَ"متفقُ عليه، وقَالَ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يوْمَ القِيامةِ، يُقَالُ: هذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ"متفقٌ عليه، وقال صلى الله عليه وسلم "من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا"رواه ابن حبان والطبراني واللفظ له.
والكفار إما أهل حرب، وإما أهل عهد، وأهل العهد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، أهل هدنة، وأهل أمان، وأهل ذمة.
فأما أهل الهدنة فهم الذين يقيمون في دارهم وصالحوا الدولة الإسلامية على وقف الحرب إلى أجل، وهذه المصالحة أو المعاهدة ليست مؤبدة، ولا يقدم عليها الإمام إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك كما لو كان بالمسلمين ضعف، وأما في حال القوة فلا يجوز للإمام أن يقدم على المصالحة، وقد قال تعالى: **فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي لا تضعفوا عن الأعداء **وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ}أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم،... ولهذا قال: **فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأٌّعْلَوْنَ}أي في حال علوكم على عدوكم... فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك"(1).
وأما أهل الأمان فهم الذين يعطون الأمان، ليدخلوا دولة الإسلام دون أن يسـتوطنوا
فيها: كالرسل، والتجار، ومن له غرض من زيارة قريب أو نحوها، ومن يعرض عليه الإسلام والقرآن كما قال تعالى: **وَإِنْ أَحَدٌ منَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}.
وأما أهل الذمة فهم المقيمون في دولة الإسلام، وتجري عليهم أحكام الإسلام، وتؤخذ منهم الجزية، كما قال تعالى: **قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَق مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، والجزية تؤخذ من الرجال الأحرار البالغين،كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني " أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا " رواه أبو داود وغيره، ويجوز برهم والإحسان إليهم من غير موالاتهم ومودتهم، وتجب حمايتهم، ومنع التعدي عليهم في أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم أو تعذيبهم، وقد قال تعالى: **لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}، وقال مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر وغلام له يسلخ شاة فقال: يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي حتى قال ذلك مرارا فقال له: كم تقول هذا فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه" أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي، وأخرج أبوعبيد عن جسر أبي جعفر قال: "شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا وخسرانا مبينا فضع الجزية على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض فإن في ذلك صلاحا لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. قال ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه"، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما"رواه البخاري، وأخرج أبو عبيد عن صعصعة قال سألت ابن عباس فقلت إنا نسير في أرض أهل الذمة فنصيب منهم فقال بغير ثمن قلت بغير ثمن قال فما تقولون قلت نقول حلالا لا بأس به فقال أنتم تقولون كما قال أهل الكتاب **لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وأخرج عن طلحة بن مصرف قال - قال خالد بن الوليد" لا تمش ثلاث خطى لتأمر على ثلاثة نفر ولا لترزأ معاهدا إبرة فما فوقها ولا لتبغي إمام المسلمين غائلة"(1)، وعن هِشَام بن حكيم بن حزامٍ رضي اللَّهُ عنْهُما أنَّهُ مرَّ بالشَّامِ على أنَاسٍ مِنَ الأنباطِ، وقدْ أُقِيمُوا في الشَّمْس، وصُبَّ على رُؤُوسِهِم الزَّيْتُ، فَقَال: ما هَذا قًيل: يُعَذَّبُونَ في الخَراجِ، وَفي رِوايةٍ: حُبِسُوا في الجِزيةِ. فَقَال هِشَامٌ: أشْهَدُ لسمِعْتُ رسُول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ "إن اللَّه يُعذِّبُ الذِينَ يُعذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيا"فَدَخَل على الأمِيرِ، فحدَّثَهُ، فَأمر بِهم فخُلُّوا. رواه مسلم، وعن جبير بن نفير" أن عمر بن الخطاب أتي بمال كثير من الجزية فقال إني لأظنكم قد أهلكتم الناس قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا قال بلا سوط ولا نوط قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني".
الرابع: العدل مع الأعداء:
إن المسلم يجاهد في سبيل الله، ويبتغي بذلك إقامة حكم الله في الأرض، وهو في سعيه وجهاده لتحقيق هذه الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها يتمسك بشريعة الله العادلة، ولا يخرج عن العدل والإنصاف مع الصديق أو العدو فإن الظلم لا يحل مطلقا، حتى ولو اعتدى عليه الظالمون المعتدون من الصليبيين أو اليهود أو غيرهم، وقد قال الله تعالى: **وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ}، أي لا يحمل بكم بغض الكفار لأجل ظلمهم وعدوانهم عليكم إذ صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم وتطلبوا الانتقام منهم عدوانا وظلما، بل ألزموا الإنصاف مع أعدائكم، وعاملوهم بالعدل الذي شرعه الله لكم، وقال الله تبارك وتعالى: **وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، ولكن الزموا العدل فإن العدل أقرب إلى التقوى، وقال تعالى: **وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وعن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة يقول ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر قال: فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرها قال: "إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعدد، فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه" رواه أحمد، قال ابن كثير رحمه الله: "هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم أسخطوا لله عليهم بسبب هذا الاعتداء"(1).
فالجهاد في سبيل الله شريعة ربانية غايتها: أن تكون كلمة الله هي العليا، ومنهجها وطريقها الذي يسلكه المجاهدون في جهادهم هو شرع الله تبارك وتعالى وحكمه.
وأما الصليبيون واليهود فغاية حروبهم التي يسعرونها في الأرض أن يستعبدوا الشعوب، ويخضعوها لطاعتهم، والتحاكم لطواغيتهم كما قال تعالى: **الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}، ويحرضهم ويغريهم ما في نفوسهم من إرادة العلو في الأرض، والتجبر والاستطالة على الآخرين، والسطو على خيراتهم، ونهب ثرواتهم ومعادنهم ونفطهم، وإيجاد أسواق لبضائعهم، ولتحقيق أهداف حروبهم وبواعثها الإجرامية، فإنهم يسلكون جميع المسالك والأساليب الملتوية الجائرة، عملا بقاعدتهم الشيطانية ( الغاية تبرر الوسيلة)، وما يحدث من جرائم في حق المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وفي سجن أبو غريب وغوانتنامو وغيرها شاهد على ذلك.
فصل :قتال الطائفة الممتنعة
إذا امتنعت طائفة تنتسب إلى الإسلام عن شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة: كالصلاة أو الزكاة أو صيام رمضان أو الحج أو الجهاد في سبيل الله أو غيرها من الشعائر، فإنها تقاتل حتى يكون الدين كله لله، وقد قال تعالى: **وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدينُ كُلُّهُ لله}، وقد قاتل الصحابة رضي الله عنهم من امتنعوا عن أداء الزكاة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه. وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال. فعرفت أنه الحق" رواه البخاري ومسلم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج، ففي الصحيحين عن سويد بن غفلة. قال: قال علي: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأن أخرّ من السماء أحبّ إلي من أن أقول عليه ما لم يقل. وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم. فإن في قتلهم أجرا، لمن قتلهم، عند الله يوم القيامة".
وعن زيد بن وهب الجهني؛ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه. الذين ساروا إلى الخوارج. فقال علي رضي الله عنه: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء. ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء. ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء. يقرؤون القرآن. يحسبون أنه لهم وهو عليهم. لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم، ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم، لاتكلوا عن العمل. وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد، وليس له ذراع. على رأس عضده مثل حلمة الثدي. عليه شعرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم. فإنهم قد سفكوا الدم الحرام. وأغاروا في سرح الناس. فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلا. حتى قال: مررنا على قنطرة. فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي. فقال لهم: ألقوا الرماح. وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحّشوا برماحهم. وسلوا السيوف. وشجرهم الناس برماحهم. قال: وقتل بعضهم على بعض. وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي رضي الله عنه: التمسوا فيهم المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض. قال: أخّروهم. فوجدوه مما يلي الأرض. فكّبر. ثم قال: صدق الله. وبلّغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السلماني. فقال: يا أمير المؤمنين ألله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إي. والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا. وهو يحلف له." رواه مسلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا على الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة وإتباع سلف الأمة وأئمتها مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته أو التكذيب بأسماء الله وصفاته أو التكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور قال الله تعالى: **وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه}فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله"(1).[4]
باب: العلاقات الخارجية :
تتحاكم الحكومة الإسلامية في جميع سياساتها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ومن ذلك السياسة الخارجية للدولة الإسلامية, وفي هذا الباب تذكر بعض المعالم الأساسية في السياسة الخارجية للدولة الإسلامية.
وأولها عقيدة الولاء والبراء :
من أعظم الواجبات على الحكومة الإسلامية التي لا يصح إسلامها إلا بها, أن تحقق عقيدة الولاء والبراء بموالاة المسلمين ومحبتهم ونصرتهم, والبراءة من الشرك والمشركين, وإبداء العداوة والبغضاء لهم, وقد أوجب الله تعالى على المسلمين أن يتأسوا بإبراهيم والذين آمنوا معه في براءتهم من المشركين ومما يعبدون من دون الله, فقال تعالى: **قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ}.
وقال تعالى في وصف حزب الله تعالى: **لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.
وقال تعالى: **يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ. فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ. وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ. يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}, فبين الله تعالى في هذه الآيات أن الغلبة والنصر لحزب الله الذين يتولون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا, وأما أهل الردة فحسبوا أن التحصن من الدوائر, وأن العزة والغلبة وثبات الملك تنال بموالاة اليهود والنصارى, فسارعوا في موالاتهم, والدخول في حلفهم, وظاهروهم على المسلمين, فارتدوا بذلك وخرجوا من الإسلام كما دل عليه قوله تعالى: **وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}, وقوله تعالى **حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}, وقوله تعالى **يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ}أي من يرتد منكم عن دينه بسبب موالاته للكفار أو بغيرها من نواقض الإسلام فسوف يأتي الله تعالى بقوم يحبهم ويحبونه, وهم الذين ظهر برهان محبتهم وصدق إيمانهم في أقوالهم وأعمالهم, فقد اتصفوا بالرحمة والذلة للمؤمنين, والعزة والشدة على الكافرين, وجاهدوا في سبيل الله ولم يخِفهم لوم اللائمين ولا صد الصادين, ولم تحِك أقوال أعداء الله وافتراءاتهم في صدورهم, ولم تصدهم حملاتهم الإعلامية عن إقامة شريعة الله تعالى, ونصرة دينه والجهاد في سبيله, وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه, قال العلامة السعدي رحمه الله: "يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين. وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب، ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته، عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم، على أمر الله. فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم"(1).
و قد وعد الله تعالى في هذه الآيات أن يأتي بالمجاهدين الذين يحبهم ويحبونه عند ارتداد طائفة عن دينها وموالاتها لليهود والنصارى, وهذا ظاهر في الحملة الصليبية الجديدة في زماننا هذا, فعندما سارع فئام من المرتدين إلى موالاة الصليبيين والدخول في حلفهم, أتى الله تعالى بالمجاهدين الصادقين فجاهدوا الأمريكان, وحلفاءهم من الكفار والمرتدين.
وقال تعالى: **بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}, فالمنافقون يوالون الكفار من النصارى واليهود وغيرهم, لينالوا بموالاتهم والدخول في حلفهم العزة والقوة, ويطمعون برضاهم واعترافهم بدويلاتهم, وحمايتهم لها, وهم في حقيقة الأمر لم ينالوا إلا الصغار والذلة والتبعية للصليبيين والردة عن الإسلام، فحالهم كحال المشركين الذين قال الله تعالى عنهم **وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً ليَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً}.
فإن العزة إنما تنال من الله تعالى بطاعته وإتباع مرضاته, فهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء, وهذا ما لا يفقهه المنافقون وقد قال تعالى: **مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}, وقال تعالى: **وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}, وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه " إنا كنا أذل قوم, فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله " أخرجه الحاكم.
وللحكومة الإسلامية مع قيامها بعقيدة الولاء والبراء أن تصالح بعض الدول إذا اقتضت ذلك المصلحة الشرعية, وتعقد معها صفقات تجارية, وتحسن إلى الكفار الذين لم يقاتلوا المسلمين, ولم يخرجوهم من ديارهم, كما تخاطب الكفار غير المحاربين وتجادلهم بالتي هي أحسن, وتلين في مخاطبتهم ودعوتهم حتى تبلغ لهم الرسالة وتبين لهم الحق.
الثاني: حكم التحاكم إلى الهيئات والمؤسسات والمحاكم الدولية:
من المعلوم من الدين بالضرورة أن التحاكم إلى غير شرع الله من الكفر والشرك بالله تعالى كما قال تعالى: **وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}, فمن تحاكم إلى الهيئات الدولية كهيئة الأمم المتحدة, ودخل في عضويتها, وتحاكم إلى قوانينها ومحاكمها فقد تحاكم إلى الطاغوت كما قال تعالى: **أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}.
وقال تعالى: **وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}, فسوى الله تعالى بين الخائضين الذين يكذبون بالحق ويطعنون فيه وبين القاعدين معهم, فإن الرضا بالكفر كفر, وهذا كالقعود في مجالس هيئة الأمم المتحدة أو مجالس الكفار والمرتدين عموما التي يكذب بها بآيات الله تعالى, قال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن الفضل ثنا محمد بن علي أنبا محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: "إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فإنكم إذا مثلهم ", وأخرج ابن جرير عن هشام بن عروة قال أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب فضربهم وفيهم صائم فقالوا إن هذا صائم فتلا **فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}.
وقال القرطبي في قوله تعالى **إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}" فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله عزوجل **إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية"(1).[5]
وقوله تعالى في الآية **إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}أي كما اجتمع الكفار والمنافقون في الدنيا على الكفر والباطل والطعن بالحق, وفي مجالس التآمر والكيد فإن الله تعالى سيجمع بينهم جميعا في نار جهنم, قال ابن جرير " وقوله **إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم}يقول إن الله جامع الفريقين من أهل الكفر والنفاق في القيامة في النار فموفق بينهم في عقابه في جهنم وأليم عذابه كما اتفقوا في الدنيا فاجتمعوا على عداوة المؤمنين وتآزروا على التخذيل عن دين الله وعن الذي ارتضاه وأمر به أهله".
وقال تعالى: **وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}, فنهى الله تعالى على القعود مع الذين يخوضون في آيات الله تعالى, وخوضهم فيها هو تكذيبهم واستهزاؤهم وطعنهم فيها, وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قوله **فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}قال " هم أهل الكتاب نهى أن يقعد معهم إذا سمعهم يقولون في القرآن غير الحق ".
فالتحاكم إلى الطاغوت المسمى إفكا وزورا بالشرعية الدولية والإعراض عن شرع الله تعالى من الكفر الأكبر المخرج من الملة, وقد قال تعالى **أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ. فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وقال تعالى **وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ. وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ. وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}،وقال تعالى **أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، فإن الذين أعرضوا عن إتباع مرضات الله تعالى والتحاكم إلى شرعه في الشؤون الخارجية, وقعوا في عبودية النصارى وإتباع مرضاتهم, فإن هذه المنظمة لا يصدر عنها قرار إلا بموافقة الدول الخمس الدائمة العضوية التي تملك ما افتروه وسموه بحق النقض " الفيتو ", وهي أربع دول نصرانية وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والخمسة الصين الشيوعية, وهذه سنة الله تعالى في عباده فمن استكبر عن عبودية الله تعالى وقع في عبودية العبيد, ومن حاد عن إتباع ما يحبه الله ويرضاه اتبع ما يحبه ويرضاه النصارى واليهود وغيرهم من شياطين الإنس والجن.
فهذه المنظمة الطاغية تسعى لبث العقيدة الغربية المسماة بالديمقراطية في العالم, كما تشكل بزعمهم غطاءً شرعيا- بحسب شريعتهم الكافرة - للاحتلال الصليبي اليهودي لبلاد المسلمين, فهي التي جعلت لليهود نصيبا في فلسطين, وهي التي أعطت ما يسمى بالشرعية المفتراة للاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق, وساعدت الولايات المتحدة في احتلالها وتنفيذ مخططاتها, وهي التي تدعي أن الشيشان جزء من روسيا النصرانية.
ومن تناقضات الصليبيين أن هيئة الأمم المتحدة التي تروج للديمقراطية - التي حقيقتها التمرد على عبودية الله- هي منظمة دكتاتورية بحسب وصفهم وتقسيماتهم للأنظمة, فإن قرارات مجلس الأمن في هيئة الأمم المتحدة هي النافذة فيها والملزمة لأعضائها, وهو مجلس دكتاتوري وليس ديمقراطيا بحسب عقيدتهم, حيث تسيطر عليه الدول الخمس التي تملك ماافتروه وسموه بحق النقض " الفيتو ", وأما الجمعية العمومية فهي مجلس ديمقراطي بحسب تعريفاتهم, ولكن قراراتها ليست بملزمة, فنخلص إلى أن هذه المنظمة التي تروج للكفر المسمى بالديمقراطية هي في حقيقتها بحسب عقيدتهم تنتهج نظاما دكتاتوريا.
والسبب في هذا التناقض أن الديمقراطية التي يسمونها " لعبة " هي بالفعل كذلك يتلاعبون من خلالها بالشعوب, ويستخدمون الدعوة إلى نشرها, ونشر الانفلات من دين الإسلام ومن أخلاقه الذي يسمونه بالحرية، والمناداة بحقوق الإنسان أو المرأة أو غيرها من الشعارات المضللة, للتسلط على الآخرين والتدخل في شؤونهم, والسيطرة على بلادهم وخيراتهم, كما هو ظاهر في المشروع الأمريكي المسمى بالشرق الأوسط الكبير, وإذا ما عارضت هذه العقائد والمصطلحات كالديمقراطية والحرية ونحوها أطماعهم الدنيوية ورغباتهم بالتسلط والتجبر على الآخرين في هيئة الأمم أو غيرها, فإنهم يتخلون عن آلهتهم المسماة بالديمقراطية وعن شعاراتها.
هذه دراسة عظيمة ورسالة أظهرت عقيدة أهل السنة والجماعة ذكر فيها كاتبها كل أصول الاعتدال عند أهل السنة والجماعة ، ولحال الأمة المرير والمؤلم ، ولوجود بعض الإشكاليات على من لم يطلع على عقيدة أهل السنة وظهور دعاة الضلال ومحاولتهم تلبيس بعض النصوص ووضعها في غير محلها ، وحرصا منا على إظهار الحق وبيان ما يجب على المسلم فعله والتمسك به أردت إعادة نشر هذه الدراسة الكبيرة من كتاب السياسة الشرعية للشيخ العلاّمة أبي عمر محمد عبد الله السيف.
أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلها في صحائف أعمالنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه وسلم ..
قدمها وعلق عليها – الشيخ مهدي الصميدعي
الخميس 21 رجب 1432 هجرية
________________________________________
[1] المقصود بالحاكمية هنا – تطبيق شرع الله عزوجل ، من إقامة شرعه ، وتطبيق أمره ونهيه ، وليس المقصود بمصطلح الحاكمية فالفرق بينهما كبير ، المدعين لمصطلح الحاكمية يرفعون شعارات الكذب والزور ولا يهمهم تطبيق الشريعة من عدمها وإنما همهم الوصول إلى كرسي الحكم ولو على حساب الشريعة وأحكامها – وأما الحاكمية فهي تطبيق الشريعة وفق الضوابط التي ذكرها الشيخ من اختيار الأمير والقيام بواجب الدعوة إلى الله للوصول بالناس إلى إقامة الحاكمية الشرعية ( الكتاب والسنة ) وليست الفتن والفوضى والتخلق بأخلاق الغرب وتنفيذ أوامرهم والتعاون معهم على قتل وتدمير ممتلكات المسلمين ..
[2] يقول الإمام ابن حجر رحمه الله ( انعقد الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم : وقال قال ابن بطال اجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء)) فتح الباري 13/7 ونقل الإمام النووي -رحمه الله - الإجماع على ذلك فقال في ((وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث على ماذكرته واجمع أهل السنة انه لاينعزل السلطان بالفسق شرح النووي 12/229
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصا الله ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن يعص أميري فقد عصاني )) رواه مسلم
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه قال - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك رواه مسلم ( 1836)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ((فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد , وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم ,فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور لله فأجره على الله ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذ ه من الولاية فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم , فماله في الآخرة من خلاق ))
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :((
ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولاينظر إليهم ولايزكيهم , ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل , ورجل بايع رجلاً سلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ، ورجل بايع إماماً لايبايعه إلا لدنيا , فإن أعطاه منها وفا وإن لم يعطه منها لم يف )) الفتاوى ( 35/16-17)
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (( لما سأله رجل :يانبي الله
أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس فقال صلى الله عليه وسلم (( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ماحملوا وعليكم ماحملتم رواه مسلم ( 1846)
قال القرطبي : ( يعني أن الله تعالى كلف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلف المُولَى عليهم الطاعة وحسن النصيحة فأراد : انه إذا عصى الأمراء الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم , فلاتعصوا الله انتم فيهم وقوموا بحقوقهم
فإن الله مجاز كل واحد من الفريقين بما عمل .)) المفهم (4/55)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم
((يكون بعدي أئمة لايهتدون بهداي ولايستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قال ( حذيفة): قلت : كيف أصنع يارسول الله ؟ إن أدركت ذلك ؟؟ قال : (( تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك , فاسمع وأطع )) رواه البخاري ( 7084) ومسلم ( 1847) باب ( يصبر على أذاهم وتؤدى حقوقهم )
وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( من كره من أميره شيئاً
فليصبر عليه ,فإنه ليس من أحد من الناس يخرج من السلطان شبراً فمات عليه , إلا مات ميتة جاهلية ))
رواه مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنه - (1849) ورواه البخاري ( 7053)
وعن نافع قال : جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ماكان من يزيد بن معاوية فقال : اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة . فقال : إني لم آتك لأجلس , أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله , سمعته يقول :(( من خلع يداً من طاعة , لقي الله يوم القيامة لاحجة له , ومن مات وليس في عنقه بيعة , مات ميتة جاهلية )) رواه مسلم ( 1851)
قال القرطبي في المفهم :قوله ( ولاحجة له ) أي لايجد حجة يحتج بها عند السؤال فيستحق العذاب ,لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أبلغه ماامره الله بإبلاغه من وجوب السمع والطاعة لأولي الأمر , في الكتاب والسنة ) انتهى كلامه .
وروى مسلم في الصحيح في باب ( فيمن خلع يداً من طاعة وفارق الجماعة )
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من خرج عن الطاعة , وفارق الجماعة , فمات فميتته جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعوا لعصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا ينحاش عن مؤمنها , ولا يفي لذي عهد عهده , فليس مني ولست منه )) رواه أحمد (2/296) ومسلم (1848)
قال القرطبي في المفهم : ( قوله (من خرج عن الطاعة ....) بالطاعة : طاعة ولاة الأمر وبالجماعة : جماعة المسلمين على إمام أو أمر مجتمع عليه . وفيه دليل على وجوب نصب الإمام وتحريم مخالفة إجماع المسلمين وأنه واجب الإتباع ))
ثم قال ( ويعني بميتة الجاهلية ) أنهم كانوا فيها لا يبايعون إماماً ولا يدخلون تحت طاعته , فمن كان من المسلمين لم يدخل تحت طاعة إمام فقد شابههم في ذلك , فإن مات على تلك الحالة مات على مثل حالهم مرتكباً كبيرة من الكبائر , ويخاف عليه بسببهَا أن لا يموت على الإسلام )) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (4/59)
قال صلى الله عليه وسلم: (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم , يريد أن يشق عصاكم , فاقتلوه )) رواه مسلم ( 1852)
وقال صلى الله عليه وسلم: (( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون , فمن عرف فقد بريء , ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا : أفلا نقاتلهم قال :لا , ما صلوا )) رواه مسلم
قال الإمام النووي -رحمه الله - (( أما قوله فمن عرف فقد بريء وفي الرواية التي بعدها فمن كره فقد بريء فظاهره ومعناه :من كره ذلك المنكر فقد بريء من إثمه وعقوبته , وهذا في حق من لايستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ وأما من روى ( فمن عرف فقد بريء ) فمعناه والله أعلم فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بان يغيره بيده او بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه
وقوله صلى الله عليه وسلم ((ولكن من رضي وتابع ))
معناه : ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لايأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضا به أو أن لايكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه وأما قوله صلى الله عليه وسلم (( أفلا نقاتلهم فقال لاما صلوا ))ففيه معنى ماسبق : أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق مالم يغيروا شيئاً من قواعد الإسلام )) انتهى شرح النووي على صحيح مسلم 12/243-244)
وعن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم , وتلعنونهم ويلعنونكم, قيل : يارسول الله أفلاننابذهم بالسيف ؟؟؟ فقال : لا, ماأقاموا فيكم الصلاة , وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولاتنزعوا يداً من طاعة . )) رواه مسلم
وفي رواية قال : لاما أقاموا فيكم الصلاة , لا ما أقاموا فيكم الصلاة , ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره مايأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة . )) صحيح مسلم بشرح النووي ( 12/244) وعن أبي ذر قال :(( إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف )) رواه مسلم(1837)
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية ,فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) رواه البخاري (7144) ومسلم ( 1839)
قال القرطبي في المفهم : قوله ( على المرء المسلم .....) ظاهرٌ في وجوب السمع والطاعة للأئمة والأمراء والقضاة ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولاً واحداً )) المفهم( 4/39) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من حمل علينا السلاح فليس منا , ومن غشنا فليس منا )) رواه مسلم
وقال ابن تيمية :(( فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم , فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور فأجره على الله ومن كان لايطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال وإن منعوه عصاهم فماله في الاخرة من خلاق.وقد روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :((ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولاينظر إليهم ولايزكيهم ولهم عذاب أليم ، ورجل بايع إماماً لايبايعه إلا لدنيا , فإن أعطاه منها وفا , وإن لم يعطه منها لم يف )) وقال الإمام الصابوني :(( ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات كل إمام مسلم ,براً كان أو فاجراً ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح .
ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل الى الجور والحيف )) (عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص294)ط دار العاصمة وقال الإمام البر بهاري في ( شرح السنة: وأعلم أن جور السلطان لاينقص فريضة من فرائض الله عز وجل التي افترضها الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، جوره على نفسه ,وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله ,يعني : الجماعة والجمعة معهم والجهاد معهم وكل شيء من الطاعات فشاركه فيه فلك نيتك . وإذا رأيت الرجل يدعوا على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى , وإذا رأيت الرجل يدعوا للسلطان بالصلاح فاعلم انه صاحب سنة إن شاء الله ))(شرح السنة ص114)ط دار السلف وقال محمد الشهير ( بابي زمنين ) في كتابه (أصول السنة )السمع والطاعة لولاة الأمور أمر واجب و مهما قصروا في ذاتهم فلم يبلغوا الواجب عليهم ,غير أنهم يدعون إلى الحق ويؤمرون به ويدلون عليه فعليهم ماحملوا وعلى رعاياهم ماحملوا من السمع والطاعة ))
أصول السنة 276)ط مكتبة الغرباء الأثرية وقال الطحاوي : ((ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولاندعوا عليهم ولاننزع يداًُ من طاعة نرى طاعتهم في طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية , وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة )) شرح الطحاوية ص371) ط شاكر وقال ابن تيمية في الواسطية :((ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ماتوجبه الشريعة ويرون إقامة الحج والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً )) شرح الواسطية للفوزان ( 215) وقال ابن تيمية -رحمه الله -:(( ولعله لايكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد أكثر من الذي في إزالته )) قال ابن حنبل -رحمه الله -: ((اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله يعني الإمام أحمد رحمه الله-وقالوا له : إن الأمر قد فشا وتفاقم -يعنون إظهار القول بخلق القرآن , وغير ذلك -ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه .
فناظرهم في ذلك , وقال : عليكم بالإنكار في قلوبكم ولا تخلعوا يداً من طاعة ,ولاتشقوا عصا المسلمين ,ولا تسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم , وانظروا في عاقبة أمركم ,واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر .
وقال :ليس هذا -يعني نزع أيديهم من طاعته -صواباً ,هذا خلاف الآثار )) الآداب الشرعية ( 1/195-196) أخرجها الخلال في السنة (ص133
[3] مايحدث اليوم من مظاهرة بعض المدعين الانتساب إلى الإسلام وهم يستغيثون ويستنجدون بالغرب وخاصة دول الحرابة والعداء ( مثل أمريكا وبريطانيا ) التي أفسدت وأثخنت بالمسلمين في العراق – وليبيا واليمن واليوم يتآمر هؤلاء أصحاب دعوة المحسوبية الذين أباحوا لأنفسهم الاستعانة بالكفار لضرب بلاد المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم وممتلكاتهم بذرائع قبيحة وادعاءات باطلة فهؤلاء الراكنين لأوليائهم من الكفار حججهم واهية وأمرهم واضح ولا يجوز في حال الركون إليهم والعمل معهم لان هذه الأعمال تنفي الإيمان عمن يقوم بها ويقع تحت قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ولا يوجد فرق بين عملاء الأمريكان في العراق ولا العملاء في ليبيا واليمن وسوريا وأفغانستان فكل هؤلاء وقعوا تحت قاعدة موالاة الكافرين وجاءوا بهم إلى ضرب المسلمين واحتلال ديارهم ..
[4] من المعلوم في دين المسلمين بالاضطرار أن من أعان الكفار أو أيدهم أو ناصرهم وعاونهم على قتال المسلمين أو جلبهم لديار المسلمين وأمدهم بالمعلومات والمال والسلاح فهو مرتد خارج عن دائرة الإسلام . يجب على والي المسلمين قتاله ومن معه وهؤلاء لايعاملون معاملة المسلمين وليس لهم حق الإسلام ولا يقبل منهم عذر ولا تأويل فإن هذه الأمور مقطوعة في الشريعة .
[5] وهذا حال من يجلس في مجالسهم ، فما بال من يستغيث بهم ليتدخلوا في شؤون المسلمين بل والأدهى من ذلك يفرح حين يقومون بالاعتداء وضرب بلاد المسلمين وقتل أبنائه ويعتبرون ذلك من باب رفع الظلم ، يزكي الكفار ويسقط العدالة عن فسقة وظلمة المسلمين ..