المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأسير عصمت منصور في ندوة مقدسية


جميل السلحوت
09-07-2011, 11:04 AM
الأسير عصمت منصور في ندوة مقدسية
القدس: 7-7-2011 من جميل السلحوت:ناقشت ندوة اليوم السابع الدورية الأسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية"سجن السجن" للأسير الفلسطيني عصمت منصور الصادرة في نيسان 2011 عن منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية.
قالت افتخار منصور:
هي كما قال كاتبها اختلاس من ذاكرة كل إنسان يمرّ أو مرّ في مرحلة السجن أو سجن السجن وكيف يرى الأسير الإنسان السجن والمحطات التي يعبر بها جسده وذاكرته كل دقيقة في كل يوم من السجن .
كيف تمر الأيام على الأسير عبد الله ...وماذا تمثل كل محطة من ذاكرته هناك ...كيف يستقبل الأحداث والأخبار ...كيف يعيش أو يتعايش مع كل الظروف والرفاق .
لم يرد الكاتب الحديث عن السجن أو استبدال الحديث عنه بمجرد الكتابة عن واقع السجن والمعاناة، فكل منا يعرف السجن، ويدرك حجم المعاناة خلال فترة الأسر، إنما أراد أن يضع أمامنا صورة الأسير الإنسان وما يختلج في ذاكرته من معان وصور وذكريات وما يحسه لينقلها من خلال هذا العمل .
أراد أن يعبر عن الصراع بين ما هو عليه وما كانه، وما كان يريد أن يكونه يوما ...بين إنسان حوله السجن الى وحش آدمي بغير انسانية، وإنسان آخر أعاد له السجن إنسانيته، بين سجين أمني و آخر جنائي دون أن يخرجه من ثوبه الإنساني .
من خلال سطور الرواية صور الكاتب معاناة إنسان مدة ثلاثة أيام في الزنزانة، كيف يمر به الوقت آخذا كل الأمور الجزئية البسيطة التي قد لا نعبأ بها، أو نفكر فيها، أو نتخيل أن مكانا كهذا يصلح أن يطلق عليه حتى لفظة المكان ....حساب الدقائق والساعات التي لا تنقضي وفضاءات الذاكرة المحصورة بين أربعة جدران، وفوهة ينتظر موعد فتحها وماسورة ماء يتقي شرها أو عامل ينتظر صوت عبوره .
كل تلك الجزئيات البسيطة كان لها حياة رغم جمودها وسكونها السلبي الأصم، ثم الحديث عن حرب الذاكرة التي لا تفتأ تشن حربها كلما خلا بنفسه ...ليتذكر أمه .. بيته... حبيبته ...رفاقه هنا في السجن ورفاقه هناك ...يتذكر مصيره وما ينتظره .
يصارع أيضا قناعاته ومبادئه كإنسان، وما يحاول السجان أن يزرعه في نفس الأسير .
ثم الى الحدث الأهم ومحكمة الضمير التي تدينه في قتل أمه لأنه وحده يعرف سبب موتها ... هو وحده يمثل أمام تلك المحكمة، ولا يملك أدوات الدفاع سوى أنه يعرف سبب موتها أو قتلها ...انه الجدار الزجاجي الذي حال دون لمسة منها تعيده طفلا صغيرا أو رائحة أمه التي تعيده إلى بيته .
هو وحده يصارع حبه المجنون وقصته مع حبيبته عبلة ...
كل هذا ينحصر بين أربعة جدران تكاد تنفجر من شدة ما يصارع وما يختزن ....
ولا يغيب عن الرواية هاجس كل أسير وحلمه بالحرية التي لا يعرف لذتها إلا هو، وليست أيّ حرية انما الحرية المطلقة، فهو لا يعبأ بخروجه من سجن في الزنزانة الى سجن آخر، انما الحرية التي يدرك فيها الإنسان ان أحلامه غير مسجونة وذاكرته غير مسجونة ؟
إذن فهي تتحدث عن الإنسان بكامل إنسانيته، والتي قد تضيع عند الحديث عن الأسر وظروف المعاناة، فننسى أن من في السجن هو إنسان يملك المشاعر والعواطف والأحاسيس والانفعالات ... انسان بكل حالاته بفرحه وحزنه ..بألمه ودمعه ....يبقى إنسانا مهما تغير المكان.
وقال علي الجريري:
قراءة اولغارية في نص سجن السجن : عصمت منصور / إصدار وزارة الثقافة ( 5 )170 صفحة
سجن بئر السبع 2009
الرسالة الأولى:
مفاهيم السجن والدخول في حالة السجن من غير وعي
والخروج من السجن في حالة الوعي
من العنوان "سجن السجن حالة وعي مدركة لمفهوم السجن وهدف السجان من فكرة السجن "
ص 4 " ذات اليد المدربة سحبت الباب معها واختفت ؛ لأبقى وحيدا داخل مكعب إسمنتي خال من أي تفاصيل . هذه هي المرة الأولى التي أجد نفسي فيها وحيدا إلى هذه الدرجة ؛ محاصرا بالفراغ ،ومقصيا الى حد جعلني اتخيل اني لا افقد كل اتصال بالعالم الخارجي فقط ، بل أكاد افقد الإحساس بوجوده وهذا هو الشعور بالذات جعل فضاء الزنزانة المضغوطة بين جدرانها المتهرئة البالية تفترسني وتبتلعني دفعة واحدة .." بانتظار المجهول والمفاجآت
ص 8 " سواد تمطى مثل ظل ضخم وثقيل " ص 9 " ستار سميك لا نهائي ولا يمكن اختراقه "
ص 12 " بعد ان تطبق عليك الزنزانة ويتجمد الزمن ستعرف وتدرك أهمية تلك اليد... " ( ونس يد السجان )
" يا ظلام السجن خيم / ليس بعد السجن إلا فجر كجد يتسامى / يا قيود السجن زدني رنة تشجي فؤادي "(معين بسيسو)
ص 5 " صمت متى بدا والى متى يمكن أن يدوم ، ما إن تراه حتى توقن انه مقيم ويسبح في الفراغ بحرية منذ الأزل ، تثاقله يجعله ملموسا وتحسه وهو يزحف فوق جسدك كدبيب النمل ..."
ص 10 " جلست بصمت وتسليم حزين ، الظلمة تتذبذب مثل قنديل يتسع سوادا وتلبيدا ، ومن حولي الجدران ساكنة وادعة ووسط هذا كله بدت فكرة ان استسلم لدموعي .. "
التفريغ بالبكاء وتذكر الأم الصورة الباقية من الطفولة وحتى في طريق رحلته الأخيرة على الكوكب ( ووصفه لهجرة الأب بالموت )
ص 23 " كان كل شيء راكدا وقابلا للتأجيل ، ساكنا كنعش وفي ذات الوقت ملح وعاجل ويطاردك بهدوء وبطء "
ص 24 " الزنزانة ثقب صغير / متاهة / تلتف مثل جديلة / الحياة فيها صعبة ومليئة بالكآبة والجمود .."
حالة الوعي :
ص 7 صورة الوعي لمفهوم البكاء (أي رجل قوي وجميل أصبحت !! )طقوسه الجماعية وعاره أمام الغرباء
ص 10 بداية الوعي لمفهوم السجن المكاني الزمني والروحي والتفريق بينها :
البرش ( والقنينتان )عبوتان / سد إسمنتي يضيق عليه دون أدنى حركة / والشعور بالانسحاق والتلاشي ص 14
التعاطي الحسي والمعنوي مع مكونات الزنزانة / مفهوم الوحدة / " الوحدة ليست أن تكون وحدك دون شريك ؛هي ان تبدأ كل شيء من جديد دون (إشارات تلهمك ) "
فجوة منسية في الزنزانة يضع الحذاء فيها ص 23 كل سم له حساباته هنا
ص 11 " كانت تلزمني خطوة واحدة بعدها سيسير كل شيء وستنتظم الحركة من تلقاء ذاتها " أن أعيد ترتيب داخلي "
(راجح السلفيتي )

وقال جميل السلحوت:
يطرح لنا الأسير عصمت منصور في روايته هذه قضية أحلام السجناء، وكيفية "التكيف" بالعيش في زنزانة ضيقة وكريهة.
سجن السجن: هو عنوان الكتاب، وقد أوضح لنا الكاتب الأسير قصده من ذلك في الصفحة قبل الأخيرة من الكتاب، فبعد أن حفر بطل"روايته" عبدالله سعيد اسمه على جدار الزنزانة بمعدن سحاب بنطاله، فكر بكتابة شيء من النصيحة لمن سيحل في الزنزانة بعده، فكتب("سجن السجن" هنا يسجنون السجين، يسجنون الظل، دون أن يدركوا أن هذا يحرره من أبشع أسر "الوهم") ص167.
إذن فالزنزانة هي سجن السجن، ومع وحشية وقسوة العيش فيها، إلا أن السارد يبغي كسر قضية الخوف من الزنزانة..
الإهداء: والكاتب يهدي روايته إلى زملائه الأسرى، المغيبين قسرا خلف القضبان، لكن غيابهم ليس عبثا، بل إنهم"يوقدون بغيابهم السلس الهادئ قنديل الأمل". فأي أمل يقصده الكاتب؟ إنه أمل تحرير الوطن والشعب، فللحرية ثمنها.
البكاء:عندما أدخل المحتلون بطل الرواية الى الزنزانة الوضيعة، والتي لا شيء فيها سوى البرش وقنينتين، وجد نفسه خارج الزمان"لم يكن بإمكاني أن أتعرف على الوقت والإحساس وحده هو الذي كان يعينني على معرفة الزمن وتقديره"ص26 وهو هنا وجد نفسه وسط ثلاثة جدران إسمنتية صماء وباب حديدي مصفح، إنها تطبق عليه بكل ما تحويه من "الرائحة الكريهة...كانت تنبعث من كل مكان ورائحة آسنة هي مزيج من الرطوبة والعفونة، ولا خيار أمامه سوى أن يبقى وحيدا"أنت لا يمكن أن تكون إلا وحيدا في ذلك المكان الرهيب"ص5 ويدفعه هذا الضيق النفسي الذي وجد نفسه فيه الى الرغبة في البكاء ليريح نفسه، "إلا أن عادات غير بدائية منعتني"ص5 وهنا انتقاد لاذع للتربية وللعادات الخاطئة التي ترى في البكاء انتقاصا للرجولة، حتى أنه يعود بذاكرته الى طفولته عندما كانت والدته تردعه عن البكاء في طفولته بقولها له"أي رجل قوي وجميل أصبحت"؟ص7.
البوح: يأخذ النص شكل البوح الذي يأتي سردا على لسان المتكلم، ومن عجيب هذا البوح أنه يأتي من داخل زنزانة وضيعة تنتهك حرية الإنسان، وحقه ليس في الحياة فحسب، بل في تنفس هواء نقي، أو شربة ماء نقية أيضا،أو في الحركة، إنها ليست سجنا فقط، بل هي"سجن السجن" كما وصفها الكاتب، إنها تسلب الإنسان إنسانيته، بوضعه في قبر يسمى زنزانة، وما عليه سوى التأقلم مع الواقع الجديد المفروض عليه عنوة وظلما، والمرء في الزنزانة لا يملك التواصل مع أي شيء في الخارج، وإذا ما أراد التواصل مع أقرانه في الزنازين المجاورة فلا سبيل له ولهم سوى الضرب على الجدران، والزنزانة عقاب لنزيلها صيف شتاء، ففي الصيف ترتفع الحرارة فيها الى درجة الإختناق، وفي الشتاء يلسع البرد ساكنها إلى درجة التجمد.
القنينتان: ومن الأمور التي تمتهن إنسانية الإنسان في الزنزانة، وجود قنينتين فيها لاستعمالات السجين، واحدة للتبول فيها، والثانية ليشرب الماء فيها ايضا، وهو لا يستطيع تحديد أيهما للبول وأيهما للشرب؟ حسبما استعمله أسير الزنزانة السابق له.
جابر: شاب أسود البشرة، سجين جنائي، اختاره قامعو حريته لتوزيع الطعام والسجائر على نزلاء الزنازين، وهذا امتياز له ليخرج قليلا من زنزانته، وكي يحافظ على هذا الإمتياز فعليه أن يتخلى عن لسانه، وعن قدراته الكلامية، فممنوع عليه أن يتحدث مع أي سجين، وممنوع عليه أن يرد على أسئلة السجناء أو أن ينظر داخل الزنزانة، كل ما عليه هو فتح الكوة وإلقاء الطعام الضئيل للسجين بالسرعة الممكنة، وقد استغل السارد حالة جابر بشكل جيد، بحيث أنه تعلم منه الصمت، فاذا كان جابر ممنوعا من الكلام مع السجناء، فإن نزيل الزنزانة لا يجد من يتكلم معه وعليه أن يلتزم الصمت.
أبو شمس: وهي شخصية مثيرة وموجودة على أرض الواقع في مختلف السجون وخارجها، وابو شمس هنا رجل فقد عقله، ويعيش تناقضات العقلانية والجنون، وإذا لم يستطع أبو شمس التعايش مع السجناء الآخرين، فإنه استطاع التعايش مع الحمام الذي كان يضع له الخبز على نافذة غرفة سجنه، ولا أعرف كيف شطح خيال الكاتب الى الحمام هنا، فالحمام رمز السلام لا يستطيع دخول السجون أو الوصول الى نوافذ غرفها....لكن أبا شمس هذا يثور على حراس السجن وعلى السجناء، وكأني بالسارد هنا يريد ان يقول لنا بأن نمط الحياة المفروضة على الأسرى هو نمط قاتل ومجنون، ولا خروج عليه إلا بالجنون.
وفاة الوالدة: من أكثر الأحداث اثارة في هذه الرواية هي وفاة والدة السارد الأسير، وهو في الأسر،فمعروف مدى تعلق الانسان بوالدته، وحبه لها، فتتضاعف الأحزان عندما تنتقل الى جوار ربها وهو في الأسر، وتتضاعف مرات ومرات عندما يزوره الأهل ويخبرونه بالخبر الفاجع، ويحملونه بجهل منهم مسؤولية وفاتها"أمك ماتت بسببك"ص124، فهي لم تحتمل فراقه، وتتعذب لعذاباته في الأسر، الى أن يتوفاها الله، فهل لا تكفي الأسير عذاباته ومعاناته من قبل جلاديه وسارقي حريته، حتى يتم تحميله سبب وفاة عزيز عليه؟
ملاحظة:الأخطاء المطبعية واللغوية الموجودة في الكتاب، وسوء الإخراج ظاهرة بشكل واضح، وهذه قضية معيبة يتحملها الناشر الذي هو وزارة الثقافة.
التصنيف الأدبي: هذا النص ليس رواية كما أراده كاتبه وتقيد به الناشر، بل هو بوح فيه خلط من الأصناف الأدبية.
سلبيات: لم يوفق الكاتب عندما شبه الزنزانة بالمرأة، فوجه الشبه محذوف تماما، كما أنه لم يوفق في التعبير عن الألفة بين الزنزانة ونزيلها، فالزنزانة هي وسيلة قمع وحشية.
وماذا بعد؟
تطرح هذه الرواية جزءا من معاناة الأسرى الذين يعزلهم جلادوهم في زنازين العزل الانفرادي التي لا تصلح للحياة البشرية، وهذه الرواية تدق جدران الخزان بضرورة بذل الجهود الكبيرة من أجل اطلاق أسرانا من معتقلات الموت البطيء المفروض عليهم.
وقالت ميسون التميمي: للكاتب عصمت منصور
أنا لا أريد أن أكرر ما قيل في جلسة يوم الخميس الماضي ولكنني احرص على أن أبوح بما يجول في نفسي وهو:
1) أن لغة الكاتب قويه وأسلوبه جميل، مليء بالتشبيهات التي تثلج القلب، وتغذي الروح، حيث أنه نقلنا من عالمنا الفسيح الى عالم السجن، بما فيه من مصاعب وأهوال ومجازفات ومفارقات، فجعلنا رغم بعد المسافة بيننا وبينه تلتقي أرواحنا ومشاعرنا، وتحوم نحو زنزانة عصمت ونتمنى له الخلاص.
2) أشفقت على عصمت من كثرة التشبيهات التي تخص المرأة، وأكثر تشبيهين موجودين في صفحه 28و29 وأيضاَ صفحه 147 حيث أنني لاحظت أنه يحن للمرأة، ويتوق على أن يبدأ ويؤسس علاقة مع أمرأة، وأنا بدوري أتمنى أن ينكسر القيد وتنتهي مدة محكوميته وأن يخرج للحياة وينجب أولاد .
وقد شارك في النقاش المطول كل من :محمود الصفدي، راسم عبيدات، ابراهيم جوهر، محمد موسى سويلم وآخرون.

جميل السلحوت
10-07-2011, 05:54 PM
سجن السجن لعصمت منصور :

لغة الرمزية والتأمل الفلسفي

: ابراهيم جوهر – القدس

يتأمل الأسير عصمت منصور في اللغة ويرمّز ويبوح وينتقد ويتحدى ، وينقل تجربة وتوصيفا للانتصار على أداة القتل المسماة (السجن) .
اللغة عند الكاتب في كتابه ذي الأسلوب الروائي الذي أخذ من السيرة الذاتية أسلوبها ، ومن الشعر الحديث رموزه وإيحاءاته ، ومن الرمزية معطيات حواسها المتبادلة ، تستحق الوقوف عندها .
يلفت الانتباه في (سجن السجن ) كون الكاتب اعتمد الصمت لغة ، فالصمت عنده حيث هو ، في زنزانة العزل الانفرادي يصير لغة ( ص 43 و 44 و45 ) . وكذا الأمر مع الدموع التي تحكي وتعبر ؛ الصمت والدموع لغة ....كما أن الطرق على الأبواب لغة " كانت اللغة السائدة في قسم الزنازين هي لغة الطرق على الجدران ..." ص36 . و الصمت يتشيّأ ؛ " إنه صمت الزنزانة المخاتل والمخادع ...تثاقله يجعله ملموسا وتحسه وهو يزحف فوق جسدك كدبيب النمل ، يتسلق روحك ..." ص5 . " ...كان صمتها جميلا : ص130 .
والابتسامة لغة ؛ " ...كانت ابتسامتي أبشع من أي شتيمة وأبلغ من كل خطاب ..." ص164 .
وعنده يصير للذل طعم موصوف ؛ " كان طعم الذل دبقا ولزجا وكريها " ص 22 . والزمن يحسّ ؛ " زمن الزنزانة متداخل ولزج " ص23 .
في الحبس الانفرادي تتبادل الحواس ، كأن ترى بالأذن ، أو تسمع بالعين ..." كان القسم يتحول الى ما يشبه عالما كفيفا ، أو حشدا يتحرك في ظلمة مطبقة وهذه موهبة لا يملكها سوى الأسرى . إنهم هنا بأقل الكلمات ، ومن خلال اللهجة ، وطريقة الحديث ، ومستوى الصوت ، وأشياء أخرى لا أعرفها ولا يمكن تبين حقيقتها ، يستطيعون إصدار أحكام نهائية على الشخص الذي يقابلهم ..." ص 37 .
تمحورت الفكرة الكلية العامة عند الكاتب في رفض المكان ، والتغلب عليه . من هنا جاء العنوان ( سجن السجن ) ، فالسجن الانفرادي الذي أعدّ ليقهر ويعاقب بالإمكان التغلب عليه . والتأمل الفلسفي للأشياء / ومراجعة الماضي ، واستحضار الأهل ، والتجربة كفيل بالتغلب على الفراغ القاتل القائم أمام الأسير ، ومعين له على تمضية الوقت الثقيل .
إنه يعود الى الذات بهدف فهمها ؛ يتأملها ، ويتساءل ، ويراجع ، وينتقد التجربة السابقة بجرأة مطلوبة . من هنا كان انتقاده لتجربة قتل المتهمين بالتعاون مع الاحتلال ، والتحقيق معهم ومع أبنائهم أو بناتهم . (ص152) : " ...ومي استسلمت لنا وهي تدرك أن لا خيار آخر لها ، لم يكن هدوؤها شجاعة أو ثقة بنا ، بل استسلام لطبيعتها كأنثى وماضي والدها وهمالتنا " إنه يسحب تأمله التحليلي الى تحليل الموقف المستسلم للفتاة (مي) ابنة احد المقتولين بتهمة التعاون . ويلفت النظر تعبير الكاتب بقوله: (همالتنا) !! المصطلح ذي الابعاد القروية الخاصة بما فيه من جرأة الاعتراف والتقرير والنقد . وهو يشير الى ظاهرة الانفلات التنظيمي التي أحدثت فراغا في الانتماء والولاء ، ووفرت مجالا للانتقام الشخصي الذي عانت منه فعاليات الانتفاضة الفلسطينية في سنواتها الاخيرة .
استعان الكاتب بأسلوب الاسترجاع الفني (الفلاش باك ) ليوازي الواقع القائم بواقع مستحضر فيه ما فيه من الدفء ، والنقد ، والنظرة من بعد مكاني ونفسي ، وليقدم للقارئ معلومات عن واقع الأسير ، ومعاناة ذويه والأم على وجه التحديد .
الأم عند عصمت منصور تتربع في مكان عال وتتميز بمكانة خاصة ؛ هي التي أهدته الحرام الذي ظل معه يواسيه ويذكّره ويحاوره في وحدته القاسية . وهي التي قتلها بسبب سجنه ، وقتلوها حين أدخلوا العازل الزجاجي المزدوج والهاتف الآلي . إنها الام التي لم تستوعب حرمانها من لغة التواصل بأطراف الأصابع فقررت الموت . لقد قتلوها وسرقوها منه ، واغتالوها قهرا ولم تتمكن من وداعه ( ص123 ) . وهي التي لعب معها لعبة الدموع والبكاء منذ طفولته ، لتعلمه بعدها ألا يبكي .
عبلة هي البديل المؤقت للأم ، والامتداد الأكثر واقعية منها . هي المحبوبة التي تؤنس وحدته ، وتنقل له الأخبار . " ...هل لا زال لديك أمل يا هذه المرأة التي تشبه أمي في هذا الإسراف بالأمل ..." ص132 .
ولكن كيف يمكن التغلب على الحرمان من الحرية ، وعلى الإبعاد عن غرف المعتقل حيث يمكن الحديث مع معتقلين آخرين ؟ وهل يمكن قهر الاحتلال الذي يريد قتل الروح ؟ إن هزيمة الاحتلال ممكنة . يقول الراوي : " ...ستبقى لديك الإمكانية والقدرة على هزم الاحتلال بالقول : لا ، وبالقدرة على الحلم ..." ص 145 . وبعدم الاستسلام (ص158 ) . وكل الذي جاء به الكتاب هنا توصيف ونقل لأسلوب التأمل الذي يقتل الوقت ، ويقوّي النفس .
ينقل الكاتب نظرة السجّان الى الأسير ، ويلتقي بالآخر الاسرائيلي ليميز بين الاثنين . ففي حين يرى السجان الأسير شيئا يبدي السجين الاسرائيلي تعاطفا مع الأسير . (ص157) في إشارة الى التمييز بين النوعين ، وإثارة لإمكانية التعايش المشترك في ظل ماض قاتل للنوع الظاهر حاليا بلبوس إنسانية متضامنة . إنه يثير أسئلة للحوار ولا يبدي رأيا في هذه المسألة .
المكان مرفوض عند الكاتب لأنه مجهز بادوات القتل ، والسجان يمكن التغلب عليه وتحصيل بعض الحقوق الإنسانية ، والسجن الذي وجد لقتل الروح والنفس يمكن التغلب عليه وقهره وإفشال غايته ، من هنا كان العنوان ( سجن السجن) .السجن يحرر الإنسان من أبشع أسر وهو الوهم (ص 167 ) .
أدب المعتقلين ظاهرة أضحت تستحق الاهتمام والرعاية والدراسة . وهذا العمل الأدبي للأسير عصمت منصور يضيف الى ما سبقه من منجزات أسلوبا جديدا ولغة جديدة ، ويحاور الفكرة ؛ فكرة الاعتقال ، وتجربة العمل المقاوم ، وينقل الجوانب الإنسانية الذاتية للمعتقل الإنسان ويصوره في حالات ضعفه ، وتحديه ، وخوفه ، وعشقه ، وحتى يأسه .
إنه يعد بمزيد قادم من الإبداع الواعي .
_________________________________القدس : 7 /7 / 2011 م .
________________ الكتاب صدر ضمن سلسلة أدب السجون رقم 5 عن وزارة الثقافة . نيسان 2011 م. ويقع في 169 صفحة . ومن المؤسف إصداره بالعدد الكبير من الأخطاء المطبعية ، وحجم الورق غير المريح .